Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 12:67
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ هَذا مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا في القَضاءِ والقَدَرِ، وذَلِكَ لِأنَّ الحُكْمَ عِبارَةٌ عَنِ الإلْزامِ والمَنعِ مِنَ النَّقِيضِ، وسُمِّيَتْ حَكَمَةُ الدّابَّةِ بِهَذا الِاسْمِ، لِأنَّها تَمْنَعُ الدّابَّةَ عَنِ الحَرَكاتِ الفاسِدَةِ، والحُكْمُ إنَّما سُمِّيَ حُكْمًا لِأنَّهُ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ أحَدِ طَرَفَيِ المُمْكِنِ عَلى الآخَرِ بِحَيْثُ يَصِيرُ الطَّرَفُ الآخَرُ مُمْتَنِعَ الحُصُولِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ الحُكْمَ بِهَذا التَّفْسِيرِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ المُمْكِناتِ مُسْتَنِدَةٌ إلى قَضائِهِ وقَدَرِهِ ومَشِيئَتِهِ وحُكْمِهِ، إمّا بِغَيْرِ واسِطَةٍ وإمّا بِواسِطَةٍ، ثُمَّ قالَ: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ومَعْناهُ أنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ ثَبَتَ أنَّهُ لا تَوَكُّلَ إلّا عَلى اللَّهِ، وأنَّ الرَّغْبَةَ لَيْسَتْ إلّا في رُجْحانِ وُجُودِ المُمْكِناتِ عَلى عَدَمِها، وذَلِكَ الرُّجْحانُ المانِعُ عَنِ النَّقِيضِ هو الحُكْمُ، وثَبَتَ بِالبُرْهانِ أنَّهُ لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ؛ فَلَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ حُصُولَ كُلِّ الخَيْراتِ، ودَفْعَ كُلِّ الآفاتِ مِنَ اللَّهِ، ويُوجِبُ أنَّهُ لا تَوَكُّلَ إلّا عَلى اللَّهِ، فَهَذا مَقامٌ شَرِيفٌ عالٍ، ونَحْنُ قَدْ أشَرْنا إلى ما هو البُرْهانُ الحَقُّ فِيهِ، والشَّيْخُ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أطْنَبَ في تَقْرِيرِ هَذا المَعْنى في كِتابِ التَّوَكُّلِ مِن كِتابِ ”إحْياءِ عُلُومِ الدِّينِ“ فَمَن أرادَ الِاسْتِقْصاءَ فِيهِ فَلْيُطالِعْ ذَلِكَ الكِتابَ.