Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 12:33-34
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ القُوَّةَ البَشَرِيَّةَ والطّاقَةَ الإنْسانِيَّةَ لا تَفِي بِحُصُولِ هَذِهِ العِصْمَةِ القَوِيَّةِ، فَعِنْدَ هَذا التَجَأ إلى اللَّهِ تَعالى وقالَ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ وقُرِئَ ”السَّجْنُ“ بِالفَتْحِ عَلى المَصْدَرِ، وفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: السِّجْنُ في غايَةِ المَكْرُوهِيَّةِ، وما دَعَوْنَهُ إلَيْهِ في غايَةِ المَطْلُوبِيَّةِ، فَكَيْفَ قالَ: المَشَقَّةُ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ اللَّذَّةِ ؟ .
والجَوابُ: أنَّ تِلْكَ اللَّذَّةَ كانَتْ تَسْتَعْقِبُ آلامًا عَظِيمَةً، وهي الذَّمُّ في الدُّنْيا والعِقابُ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ المَكْرُوهُ وهو اخْتِيارُ السِّجْنِ كانَ يَسْتَعْقِبُ سَعاداتٍ عَظِيمَةً، وهي المَدْحُ في الدُّنْيا والثَّوابُ الدّائِمُ في الآخِرَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ .
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ حَبْسَهم لَهُ مَعْصِيَةٌ كَما أنَّ الزِّنا مَعْصِيَةٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُحِبَّ السِّجْنَ مَعَ أنَّهُ مَعْصِيَةٌ ؟ .
والجَوابُ: تَقْدِيرُ الكَلامِ أنَّهُ إذا كانَ لا بُدَّ مِنَ التِزامِ أحَدِ الأمْرَيْنِ أعْنِي الزِّنا أوِ السَّجْنَ، فَهَذا أوْلى، لِأنَّهُ مَتى وجَبَ التِزامُ أحَدِ شَيْئَيْنِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما شَرٌّ فَأخَفُّهُما أوْلاهُما بِالتَّحَمُّلِ.
* * *