Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 11:117-119
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَوْ خَلَقَهم لِلِاخْتِلافِ وأرادَ مِنهم ذَلِكَ الإيمانَ، لَكانَ لا يَجُوزُ أنْ يُعَذِّبَهم عَلَيْهِ إذا كانُوا مُطِيعِينَ لَهُ بِذَلِكَ الِاخْتِلافِ.
الثّالِثُ: إذا فَسَّرْنا الآيَةَ بِهَذا المَعْنى، كانَ مُطابِقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [ الذّارِياتِ: ٥٦] .
فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ المُرادُ: ولِلرَّحْمَةِ خَلَقَهم لَقالَ: ولِتِلْكَ خَلَقَهم ولَمْ يَقُلْ: ولِذَلِكَ خَلَقَهم.
قُلْنا: إنَّ تَأْنِيثَ الرَّحْمَةِ لَيْسَ تَأْنِيثًا حَقِيقِيًّا، فَكانَ مَحْمُولًا عَلى الفَضْلِ والغُفْرانِ كَقَوْلِهِ: ﴿هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [ الأعْرافِ: ٥٦] .
والقَوْلُ الثّانِي أنَّ المُرادَ: ولِلِاخْتِلافِ خَلَقَهم.
والقَوْلُ الثّالِثُ وهو المُخْتارُ: أنَّهُ خَلَقَ أهْلَ الرَّحْمَةِ لِلرَّحْمَةِ وأهْلَ الِاخْتِلافِ لِلِاخْتِلافِ. رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ أهْلَ الرَّحْمَةِ لِئَلّا يَخْتَلِفُوا، وأهْلَ العَذابِ لِأنْ يَخْتَلِفُوا، وخَلَقَ الجَنَّةَ وخَلَقَ لَها أهْلًا، وخَلَقَ النّارَ وخَلَقَ لَها أهْلًا. والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: الدَّلائِلُ القاطِعَةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ العِلْمَ والجَهْلَ لا يُمْكِنُ حُصُولُهُما في العَبْدِ إلّا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى.