Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 11:117-119
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنَ الظُّلْمِ هَهُنا الشِّرْكُ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] والمَعْنى أنَّهُ تَعالى لا يُهْلِكُ أهْلَ القُرى بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِمْ مُشْرِكِينَ إذا كانُوا مُصْلِحِينَ في المُعامَلاتِ فِيما بَيْنَهم، والحاصِلُ أنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ لا يَنْزِلُ لِأجْلِ كَوْنِ القَوْمِ مُعْتَقِدِينَ لِلشِّرْكِ والكُفْرِ، بَلْ إنَّما يَنْزِلُ ذَلِكَ العَذابُ إذا أساءُوا في المُعامَلاتِ وسَعَوْا في الإيذاءِ والظُّلْمِ. ولِهَذا قالَ الفُقَهاءُ إنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعالى مَبْناها عَلى المُسامَحَةِ والمُساهَلَةِ، وحُقُوقَ العِبادِ مَبْناها عَلى الضِّيقِ والشُّحِّ. ويُقالُ في الأثَرِ: المُلْكُ يَبْقى مَعَ الكُفْرِ ولا يَبْقى مَعَ الظُّلْمِ، فَمَعْنى الآيَةِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾ أيْ لا يُهْلِكُهم بِمُجَرَّدِ شِرْكِهِمْ إذا كانُوا مُصْلِحِينَ، يُعامِلُ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى الصَّلاحِ والسَّدادِ. وهَذا تَأْوِيلُ أهْلِ السُّنَّةِ لِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْمَ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ إنَّما نَزَلَ عَلَيْهِمْ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ لَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن إيذاءِ النّاسِ وظُلْمِ الخَلْقِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في التَّأْوِيلِ وهو الَّذِي تَخْتارُهُ المُعْتَزِلَةُ: هو أنَّهُ تَعالى لَوْ أهْلَكَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُصْلِحِينَ لَما كانَ مُتَعالِيًا عَنِ الظُّلْمِ فَلا جَرَمَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ بَلْ إنَّما يُهْلِكُهم لِأجْلِ سُوءِ أفْعالِهِمْ.
* * *