Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 11:116
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وما صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ عَنْهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في غَيْرِ الصّافّاتِ: ﴿لَوْلا أنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالعَراءِ﴾ [القَلَمِ: ٤٩ ] ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ [الفَتْحِ: ٢٥ ] ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٧٤ ]، وقَوْلُهُ: ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ فالمَعْنى أُولُو فَضْلٍ وخَيْرٍ، وسُمِّيَ الفَضْلُ والجُودُ بَقِيَّةً؛ لِأنَّ الرَّجُلَ يَسْتَبْقِي مِمّا يُخْرِجُهُ أجْوَدَهُ وأفْضَلَهُ، فَصارَ هَذا اللَّفْظُ مَثَلًا في الجَوْدَةِ، يُقالُ: فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ القَوْمِ، أيْ مِن خِيارِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهم: في الزَّوايا خَبايا وفي الرِّجالِ بَقايا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ البَقِيَّةُ بِمَعْنى البَقْوى، كالتَّقِيَّةِ بِمَعْنى التَّقْوى، أيْ: فَهَلّا كانَ مِنهم ذُو بَقاءٍ عَلى أنْفُسِهِمْ وصِيانَةٍ لَها مِن سَخَطِ اللَّهِ تَعالى ؟ وقُرِئَ ”أُولُو بُقْيَةٍ“ بِوَزْنِ لُقْيَةٍ، مِن بَقّاهُ يُبَقِّيهِ، إذا راقَبَهُ وانْتَظَرَهُ، والبَقِيَّةُ المَرَّةُ مِن مَصْدَرِهِ، والمَعْنى: فَلَوْلا كانَ مِنهم أُولُو مُراقَبَةٍ وخَشْيَةٍ مِنَ انْتِقامِ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ ولا يُمْكِنُ جَعْلُهُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا؛ لِأنَّهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لِأُولِي البَقِيَّةِ في النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ إلّا القَلِيلَ مِنَ النّاجِينَ مِنهم، كَما تَقُولُ: هَلّا قَرَأ قَوْمُكَ القُرْآنَ إلّا الصُّلَحاءَ مِنهم - تُرِيدُ اسْتِثْناءَ الصُّلَحاءِ مِنَ المُرَغَّبِينَ في قِراءَةِ القُرْآنِ. وإذا ثَبَتَ هَذا قُلْنا: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنَ القُرُونِ نَهَوْا عَنِ الفَسادِ وسائِرَهم تارِكُونَ لِلنَّهْيِ.