Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 11:114-115
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا عَرَفْتَ هَذا، كانَتِ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أنَّ التَّنْوِيرَ بِالفَجْرِ أفْضَلُ، وفي أنَّ تَأْخِيرَ العَصْرِ أفْضَلُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ إقامَةِ الصَّلاةِ في طَرَفَيِ النَّهارِ، وبَيَّنّا أنَّ طَرَفَيِ النَّهارِ هُما الزَّمانُ الأوَّلُ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ، والزَّمانُ الثّانِي لِغُرُوبِها، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ إقامَةَ الصَّلاةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ، فَقَدْ تَعَذَّرَ العَمَلُ بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى المَجازِ، وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ: أقِمِ الصَّلاةَ في الوَقْتِ الَّذِي يَقْرُبُ مِن طَرَفَيِ النَّهارِ؛ لِأنَّ ما يَقْرُبُ مِنَ الشَّيْءِ يَجُوزُ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ وقْتٍ كانَ أقْرَبَ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وإلى غُرُوبِها كانَ أقْرَبَ إلى ظاهِرِ اللَّفْظِ، وإقامَةُ صَلاةِ الفَجْرِ عِنْدَ التَّنْوِيرِ أقْرَبُ إلى وقْتِ الطُّلُوعِ مِن إقامَتِها عِنْدَ التَّغْلِيسِ، وكَذَلِكَ إقامَةُ صَلاةِ العَصْرِ عِنْدَما يَصِيرُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ أقْرَبُ إلى وقْتِ الغُرُوبِ مِن إقامَتِها عِنْدَما يَصِيرُ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، والمَجازُ كُلَّما كانَ أقْرَبَ إلى الحَقِيقَةِ كانَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ أوْلى، فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يُقَوِّي قَوْلَ أبِي حَنِيفَةَ في هاتَيْنِ المَسْألَتَيْنِ.
* * *