Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 11:105-108
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الأوَّلُ: قالَ اللَّيْثُ: الزَّفِيرُ أنْ يَمْلَأ الرَّجُلُ صَدْرَهُ حالَ كَوْنِهِ في الغَمِّ الشَّدِيدِ مِنَ النَّفَسِ ولَمْ يُخْرِجْهُ، والشَّهِيقُ أنْ يُخْرِجَ ذَلِكَ النَّفَسَ، وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ لِلْفَرَسِ: إنَّهُ عَظِيمُ الزَّفْرَةِ، أيْ عَظِيمُ البَطْنِ، وأقُولُ: إنَّ الإنْسانَ إذا عَظُمَ غَمُّهُ انْحَصَرَ رَوْحُ قَلْبِهِ في داخِلِ القَلْبِ، فَإذا انْحَصَرَ الرَّوْحُ قَوِيَتِ الحَرارَةُ وعَظُمَتْ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَحْتاجُ الإنْسانُ إلى النَّفَسِ القَوِيِّ؛ لِأجْلِ أنْ يَسْتَدْخِلَ هَواءً كَثِيرًا بارِدًا، حَتّى يَقْوى عَلى تَرْوِيحِ تِلْكَ الحَرارَةِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ يَعْظُمُ في ذَلِكَ الوَقْتِ اسْتِدْخالُ الهَواءِ في داخِلِ البَدَنِ، وحِينَئِذٍ يَرْتَفِعُ صَدْرُهُ ويَنْتَفِخُ جَنْباهُ، ولَمّا كانَتِ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ والرَّوْحُ الحَيَوانِيُّ مَحْصُورًا داخِلَ القَلْبِ اسْتَوْلَتِ البُرُودَةُ عَلى الأعْضاءِ الخارِجَةِ، فَرُبَّما عَجَزَتْ آلاتُ النَّفَسِ عَنْ دَفْعِ ذَلِكَ الهَواءِ الكَثِيرِ المُسْتَنْشَقِ، فَيَبْقى ذَلِكَ الهَواءُ الكَثِيرُ مُنْحَصِرًا في الصَّدْرِ، ويَقْرُبُ مِن أنْ يَخْتَنِقَ الإنْسانُ مِنهُ، وحِينَئِذٍ تَجْتَهِدُ الطَّبِيعَةُ في إخْراجِ ذَلِكَ الهَواءِ، فَعَلى قِياسِ قَوْلِ الأطِبّاءِ: الزَّفِيرُ هو اسْتِدْخالُ الهَواءِ الكَثِيرِ لِتَرْوِيحِ الحَرارَةِ الحاصِلَةِ في القَلْبِ بِسَبَبِ انْحِصارِ الرُّوحِ فِيهِ، والشَّهِيقُ هو إخْراجُ ذَلِكَ الهَواءِ عِنْدَ مُجاهَدَةِ الطَّبِيعَةِ في إخْراجِهِ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ تَدُلُّ عَلى كَرْبٍ شَدِيدٍ وغَمٍّ عَظِيمٍ.