Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 11:102-104
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ أخْذِ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما يَأْخُذُ جَمِيعَ الظّالِمِينَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ - أتْبَعَهُ بِما يَزِيدُهُ تَأْكِيدًا وتَقْوِيَةً، فَقالَ: ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ فَوَصَفَ ذَلِكَ العَذابَ بِالإيلامِ وبِالشِّدَّةِ، ولا مُنَغِّصَةَ في الدُّنْيا إلّا الألَمَ، ولا تَشْدِيدَ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وفي الوَهْمِ والعَقْلِ، إلّا تَشْدِيدَ الألَمِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أقْدَمَ عَلى ظُلْمٍ، فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَتَدارَكَ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ والإنابَةِ؛ لِئَلّا يَقَعَ في الأخْذِ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُظَنَّ أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ مُخْتَصَّةٌ بِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى أحْوالَ المُتَقَدِّمِينَ قالَ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ كُلَّ مَن شارَكَ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ في فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي، فَلا بُدَّ وأنْ يُشارِكَهم في ذَلِكَ الأخْذِ الألِيمِ الشَّدِيدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾ قالَ القَفّالُ: تَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ أنْ يُقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ إنَّما عُذِّبُوا في الدُّنْيا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمُ الأنْبِياءَ وإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ، فَإذا عُذِّبُوا في الدُّنْيا عَلى ذَلِكَ - وهي دارُ العَمَلِ - فَلَأنْ يُعَذَّبُوا عَلَيْهِ في الآخِرَةِ الَّتِي هي دارُ الجَزاءِ كانَ أوْلى.