Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 11:96-99
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: يَقْدُمُ قَوْمَهُ فَيُورِدُهُمُ النّارَ، بَلْ قالَ: يَقْدُمُ قَوْمَهُ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ بِلَفْظِ الماضِي ؟
قُلْنا: لِأنَّ الماضِيَ قَدْ وقَعَ ودَخَلَ في الوُجُودِ، فَلا سَبِيلَ ألْبَتَّةَ إلى دَفْعِهِ، فَإذا عُبِّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي دَلَّ عَلى غايَةِ المُبالَغَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: لَفْظُ ”النّارِ“ مُؤَنَّثٌ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: وبِئْسَتِ الوِرْدُ المَوْرُودُ، إلّا أنَّ لَفْظَ ”الوِرْدِ“ مُذَكَّرٌ، فَكانَ التَّذْكِيرُ والتَّأْنِيثُ جائِزَيْنِ، كَما تَقُولُ: نِعْمَ المَنزِلُ دارُكَ، ونَعِمَتِ المَنزِلُ دارُكَ، فَمَن ذَكَّرَ غَلَّبَ المَنزِلَ، ومَن أنَّثَ بَنى عَلى تَأْنِيثِ الدّارِ، هَكَذا قالَهُ الواحِدِيُّ.
البَحْثُ الثّانِي: الوِرْدُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الوُرُودِ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا، وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الوارِدِ، قالَ تَعالى: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٨٦ ] وقَدْ يَكُونُ بِمَعْنى المَوْرُودِ عَلَيْهِ كالماءِ الَّذِي يُورَدُ عَلَيْهِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الوِرْدُ المَوْرُودُ الَّذِي حَصَلَ وُرُودُهُ، فَشَبَّهَ اللَّهُ تَعالى فِرْعَوْنَ بِمَن يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ إلى الماءِ، وشَبَّهَ أتْباعَهُ بِالوارِدِينَ إلى الماءِ، ثُمَّ قالَ بِئْسَ الوِرْدُ الَّذِي يُورَدُونَهُ النّارُ؛ لِأنَّ الوِرْدَ إنَّما يُرادُ لِتَسْكِينِ العَطَشِ وتَبْرِيدِ الأكْبادِ، والنّارُ ضِدُّهُ.
* * *