Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 11:96-99
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ بُعْدَ طَرِيقِ فِرْعَوْنَ مِنَ الرُّشْدِ كانَ ظاهِرًا؛ لِأنَّهُ كانَ دَهْرِيًّا نافِيًا لِلصّانِعِ والمَعادِ، وكانَ يَقُولُ: لا إلَهَ لِلْعالَمِ، وإنَّما يَجِبُ عَلى أهْلِ كُلِّ بَلَدٍ أنْ يَشْتَغِلُوا بِطاعَةِ سُلْطانِهِمْ وعُبُودِيَّتِهِ رِعايَةً لِمَصْلَحَةِ العالَمِ، وأنْكَرَ أنْ يَكُونَ الرُّشْدُ في عِبادَةِ اللَّهِ ومَعْرِفَتِهِ، فَلَمّا كانَ هو نافِيًا لِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ، كانَ خالِيًا عَنِ الرُّشْدِ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ صِفَتَهُ وصِفَةَ قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ مِن حَيْثُ اللُّغَةُ: يُقالُ: قَدَمَ فُلانٌ فُلانًا بِمَعْنى تَقَدَّمَهُ، ومِنهُ قادِمَةُ الرَّجُلِ، كَما يُقالُ قَدَمَهُ، بِمَعْنى تَقَدَّمَهُ، ومِنهُ مُقَدِّمَةُ الجَيْشِ.
والبَحْثُ الثّانِي مِن حَيْثُ المَعْنى: وهو أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قُدْوَةً لِقَوْمِهِ في الضَّلالِ حالَ ما كانُوا في الدُّنْيا، وكَذَلِكَ مُقَدَّمُهم إلى النّارِ وهم يَتْبَعُونَهُ، أوْ يُقالُ: كَما تَقَدَّمَ قَوْمَهُ في الدُّنْيا فَأدْخَلَهم في البَحْرِ وأغْرَقَهم، فَكَذَلِكَ يَتَقَدَّمُهم يَوْمَ القِيامَةِ فَيُدْخِلُهُمُ النّارَ ويُحْرِقُهم، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أيْ وما أمْرُهُ بِصالِحٍ حَمِيدِ العاقِبَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ، وإيضاحًا لَهُ، أيْ كَيْفَ يَكُونُ أمْرُهُ رَشِيدًا مَعَ أنَّ عاقِبَتَهُ هَكَذا.