Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 11:87
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّانِي: أنْ تُجْعَلَ الصَّلاةُ آمِرَةً وناهِيَةً، والتَّقْدِيرُ: أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ بِأنْ نَتْرُكَ عِبادَةَ الأوْثانِ، وتَنْهاكَ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ”أوْ أنْ تَفْعَلَ في أمْوالِنا ما تَشاءُ“ بِتاءِ الخِطابِ فِيهِما، وهو ما كانَ يَأْمُرُهم بِهِ مِن تَرْكِ التَّطْفِيفِ، والبَخْسِ، والِاقْتِناعِ بِالحَلالِ القَلِيلِ، وأنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الحَرامِ الكَثِيرِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّكَ لَأنْتَ السَّفِيهُ الجاهِلُ، إلّا أنَّهم عَكَسُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ بِهِ، كَما يُقالُ لِلْبَخِيلِ الخَسِيسِ: لَوْ رَآكَ حاتِمٌ لَسَجَدَ لَكَ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنَّكَ مَوْصُوفٌ عِنْدَ نَفْسِكَ وعِنْدَ قَوْمِكَ بِالحِلْمِ والرُّشْدِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مَشْهُورًا عِنْدَهم بِأنَّهُ حَلِيمٌ رَشِيدٌ، فَلَمّا أمَرَهم بِمُفارَقَةِ طَرِيقَتِهِمْ قالُوا لَهُ: إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ المَعْرُوفُ الطَّرِيقَةَ في هَذا البابِ، فَكَيْفَ تَنْهانا عَنْ دِينٍ ألْفَيْناهُ مِن آبائِنا وأسْلافِنا، والمَقْصُودُ اسْتِبْعادُ مِثْلِ هَذا العَمَلِ مِمَّنْ كانَ مَوْصُوفًا بِالحِلْمِ والرُّشْدِ، وهَذا الوَجْهُ أصْوَبُ الوُجُوهِ.