Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 11:84-86
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّالِثُ: ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ مَصالِحَ الأدْيانِ، ثُمَّ قالَ: ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قُرِئَ ”تَقِيَّةُ اللَّهِ“ وهي تَقْواهُ ومُراقَبَتُهُ الَّتِي تَصْرِفُ عَنِ المَعاصِي، ثُمَّ نَقُولُ: المَعْنى: ما أبْقى اللَّهُ لَكم مِنَ الحَلالِ بَعْدَ إيفاءِ الكَيْلِ والوَزْنِ خَيْرٌ مِنَ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ، يَعْنِي: المالُ الحَلالُ الَّذِي يَبْقى لَكم خَيْرٌ مِن تِلْكَ الزِّيادَةِ الحاصِلَةِ بِطَرِيقِ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ، وقالَ الحَسَنُ: ”بَقِيَّةُ اللَّهِ“، أيْ طاعَةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم مِن ذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ؛ لِأنَّ ثَوابَ الطّاعَةِ يَبْقى أبَدًا، وقالَ قَتادَةُ: حَظُّكم مِن رَبِّكم خَيْرٌ لَكم، وأقُولُ: المُرادُ مِن هَذِهِ البَقِيَّةِ إمّا المالُ الَّذِي يُبْقى عَلَيْهِ في الدُّنْيا، وإمّا ثَوابُ اللَّهِ، وإمّا كَوْنُهُ تَعالى راضِيًا عَنْهُ، والكُلُّ خَيْرٌ مِن قَدْرِ التَّطْفِيفِ، أمّا المالُ الباقِي فَلِأنَّ النّاسَ إذا عَرَفُوا إنْسانًا بِالصِّدْقِ، والأمانَةِ، والبُعْدِ عَنِ الخِيانَةِ، اعْتَمَدُوا عَلَيْهِ ورَجَعُوا في كُلِّ المُعامَلاتِ إلَيْهِ، فَيُفْتَحُ عَلَيْهِ بابُ الرِّزْقِ، وإذا عَرَفُوهُ بِالخِيانَةِ والمَكْرِ، انْصَرَفُوا عَنْهُ، ولَمْ يُخالِطُوهُ البَتَّةَ، فَتُضَيَّقُ أبْوابُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، وأمّا إنْ حَمَلْنا هَذِهِ البَقِيَّةَ عَلى الثَّوابِ، فالأمْرُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ كُلَّ الدُّنْيا تَفْنى وتَنْقَرِضُ، وثَوابُ اللَّهِ باقٍ، وأمّا إنْ حَمَلْناهُ عَلى حُصُولِ رِضا اللَّهِ تَعالى، فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ أنَّ بَقِيَّةَ اللَّهِ خَيْرٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وإنَّما شَرَطَ الإيمانَ في كَوْنِهِ خَيْرًا لَهم؛ لِأنَّهم إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ مُقِرِّينَ بِالثَّوابِ والعِقابِ، عَرَفُوا أنَّ السَّعْيَ في تَحْصِيلِ الثَّوابِ وفي الحَذَرِ مِنَ العِقابِ خَيْرٌ لَهم مِنَ السَّعْيِ في تَحْصِيلِ ذَلِكَ القَلِيلِ.