Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 11:49
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ والمَعْنى: يا مُحَمَّدُ اصْبِرْ أنْتَ وقَوْمُكَ عَلى أذى هَؤُلاءِ الكُفّارِ كَما صَبَرَ نُوحٌ وقَوْمُهُ عَلى أذى أُولَئِكَ الكُفّارِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الصَّبْرَ عاقِبَتُهُ النَّصْرُ والظَّفَرُ والفَرَحُ والسُّرُورُ، كَما كانَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِقَوْمِهِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ في سُورَةِ يُونُسَ، ثُمَّ إنَّهُ أعادَها هَهُنا مَرَّةً أُخْرى، فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ ؟
قُلْنا: إنَّ القِصَّةَ الواحِدَةَ قَدْ يُنْتَفَعُ بِها مِن وُجُوهٍ: فَفي السُّورَةِ الأُولى كانَ الكُفّارُ يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ العَذابِ، فَذَكَرَ تَعالى قِصَّةَ نُوحٍ في بَيانِ أنَّ قَوْمَهُ كانُوا يُكَذِّبُونَهُ بِسَبَبِ أنَّ العَذابَ ما كانَ يَظْهَرُ، ثُمَّ في العاقِبَةِ ظَهَرَ، فَكَذا في واقِعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ لِأجْلِ أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُبالِغُونَ في الإيحاشِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ القِصَّةَ لِبَيانِ أنَّ إقْدامَ الكُفّارِ عَلى الإيذاءِ والإيحاشِ كانَ حاصِلًا في زَمانِ نُوحٍ، إلّا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا صَبَرَ نالَ الفَتْحَ والظَّفَرَ، فَكُنْ يا مُحَمَّدُ كَذَلِكَ؛ لِتَنالَ المَقْصُودَ. ولَمّا كانَ وجْهُ الِانْتِفاعِ بِهَذِهِ القِصَّةِ في كُلِّ سُورَةٍ مِن وجْهٍ آخَرَ، لَمْ يَكُنْ تَكْرِيرُها خالِيًا عَنِ الفائِدَةِ.