Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 11:48
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّانِي: أُمَمٌ وصَفَهم بِأنَّهُ تَعالى سَيُمَتِّعُهم مُدَّةً في الدُّنْيا، ثُمَّ في الآخِرَةِ يَمَسُّهم عَذابٌ ألِيمٌ، فَحَكَمَ تَعالى بِأنَّ الأُمَمَ النّاشِئَةَ مِنَ الَّذِينَ كانُوا مَعَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا بُدَّ وأنْ يَنْقَسِمُوا إلى مُؤْمِنٍ وإلى كافِرٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: دَخَلَ في تِلْكَ السَّلامَةِ كُلُّ مُؤْمِنٍ وكُلُّ مُؤْمِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ودَخَلَ في ذَلِكَ المَتاعِ وفي ذَلِكَ العَذابِ كُلُّ كافِرٍ وكافِرَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: إنَّهُ تَعالى إنَّما عَظَّمَ شَأْنَ نُوحٍ بِإيصالِ السَّلامَةِ والبَرَكاتِ مِنهُ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿بِسَلامٍ مِنّا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الصِّدِّيقِينَ لا يَفْرَحُونَ بِالنِّعْمَةِ مِن حَيْثُ إنَّها نِعْمَةٌ، ولَكِنَّهم إنَّما يَفْرَحُونَ بِالنِّعْمَةِ مِن حَيْثُ إنَّها مِنَ الحَقِّ، وفي التَّحْقِيقِ يَكُونُ فَرَحُهم بِالحَقِّ، وطَلَبُهم لِلْحَقِّ، وتَوَجُّهُهم إلى الحَقِّ، وهَذا مَقامٌ شَرِيفٌ لا يَعْرِفُهُ إلّا خَواصُّ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الفَرَحَ بِالسَّلامَةِ وبِالبَرَكَةِ مِن حَيْثُ هُما سَلامَةٌ وبَرَكَةٌ غَيْرٌ، والفَرَحُ بِالسَّلامَةِ والبَرَكَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُما مِنَ الحَقِّ غَيْرٌ، والأوَّلُ: نَصِيبُ عامَّةِ الخَلْقِ، والثّانِي: نَصِيبُ المُقَرَّبِينَ؛ ولِهَذا السَّبَبِ قالَ بَعْضُهم: مَن آثَرَ العِرْفانَ لِلْعِرْفانِ فَقَدْ قالَ بِالثّانِي، ومَن آثَرَ العِرْفانَ لا لِلْعِرْفانِ بَلْ لِلْمَعْرُوفِ فَقَدْ خاضَ لُجَّةَ الوُصُولِ، وأمّا أهْلُ العِقابِ فَقَدْ قالَ في شَرْحِ أحْوالِهِمْ: ﴿وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَحَكَمَ بِأنَّهُ تَعالى يُعْطِيهِمْ نَصِيبًا مِن مَتاعِ الدُّنْيا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى خَساسَةِ الدُّنْيا، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَذْكُرْ ألْبَتَّةَ أنَّهُ يُعْطِيهِمُ الدُّنْيا أمْ لا، ولَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الكافِرِينَ ذَكَرَ أنَّهُ يُعْطِيهِمُ الدُّنْيا، وهَذا تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلى خَساسَةِ السَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ والتَّرْغِيبِ في المَقاماتِ الرُّوحانِيَّةِ.