Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 11:44
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَأوَّلُها: قَوْلُهُ: (وقِيلَ) وذَلِكَ لِأنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ في الجَلالِ والعُلُوِّ والعَظَمَةِ، بِحَيْثُ أنَّهُ مَتى قِيلَ: (قِيلَ) لَمْ يَنْصَرِفِ العَقْلُ إلّا إلَيْهِ، ولَمْ يَتَوَجَّهِ الفِكْرُ إلّا إلى أنَّ ذَلِكَ القائِلَ هو هو، وهَذا تَنْبِيهٌ مِن هَذا الوَجْهِ عَلى أنَّهُ تَقَرَّرَ في العُقُولِ أنَّهُ لا حاكِمَ في العالَمِينَ، ولا مُتَصَرِّفَ في العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ إلّا هو.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ياأرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾ فَإنَّ الحِسَّ يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ هَذِهِ الأجْسامِ وشِدَّتِها وقُوَّتِها، فَإذا شَعَرَ العَقْلُ بِوُجُودِ مَوْجُودٍ قاهِرٍ لِهَذِهِ الأجْسامِ مُسْتَوْلٍ عَلَيْها مُتَصَرِّفٍ فِيها كَيْفَ شاءَ وأرادَ، صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوفِ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ عَلى كَمالِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وعُلُوِّ قَهْرِهِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ.
وثالِثُها: أنَّ السَّماءَ والأرْضَ مِنَ الجَماداتِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ياأرْضُ﴾ - ﴿ويا سَماءُ﴾ مُشْعِرٌ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، عَلى أنَّ أمْرَهُ وتَكْلِيفَهُ نافِذٌ في الجَماداتِ، فَعِنْدَ هَذا يَحْكُمُ الوَهْمُ بِأنَّهُ لَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلِأنْ يَكُونَ أمْرُهُ نافِذًا عَلى العُقَلاءِ كانَ أوْلى، ولَيْسَ مُرادِي مِنهُ أنَّهُ تَعالى يَأْمُرُ الجَماداتِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ باطِلٌ، بَلِ المُرادُ أنَّ تَوْجِيهَ صِيغَةِ الأمْرِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ عَلى هَذِهِ الجَماداتِ القَوِيَّةِ الشَّدِيدَةِ يُقَرِّرُ في الوَهْمِ نَوْعَ عَظَمَتِهِ وجَلالِهِ تَقْرِيرًا كامِلًا.