Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 11:37
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيها: أنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَصْنَعَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ الفُلْكَ بِتِلْكَ الأعْيُنِ، كَما يُقالُ: قَطَعْتُ بِالسِّكِّينِ، وكَتَبْتُ بِالقَلَمِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ.
وثالِثُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ العَقْلِيَّةِ كَوْنُهُ تَعالى مُنَزَّهًا عَنِ الأعْضاءِ والجَوارِحِ والأجْزاءِ والأبْعاضِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ فِيهِ إلى التَّأْوِيلِ، وهو مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ مَعْنى ﴿بِأعْيُنِنا﴾ أيْ: بِعَيْنِ المَلَكِ الَّذِي كانَ يُعَرِّفُهُ كَيْفَ يَتَّخِذُ السَّفِينَةَ، يُقالُ: فُلانٌ عَيْنٌ عَلى فُلانٍ؛ نُصِّبَ عَلَيْهِ لِيَكُونَ مُتَفَحِّصًا عَنْ أحْوالِهِ ولا تُحَوَّلُ عَنْهُ عَيْنُهُ.
الثّانِي: أنَّ مَن كانَ عَظِيمَ العِنايَةِ بِالشَّيْءِ، فَإنَّهُ يَضَعُ عَيْنَهُ عَلَيْهِ، فَلَمّا كانَ وضْعُ العَيْنِ عَلى الشَّيْءِ سَبَبًا لِمُبالَغَةِ الِاحْتِياطِ والعِنايَةِ جَعَلَ العَيْنَ كِنايَةً عَنِ الِاحْتِياطِ، فَلِهَذا قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ بِحِفْظِنا إيّاكَ حِفْظَ مَن يَراكَ ويَمْلِكُ دَفْعَ السُّوءِ عَنْكَ. وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ إقْدامَهُ عَلى عَمَلِ السَّفِينَةِ مَشْرُوطٌ بِأمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ لا يَمْنَعَهُ أعْداؤُهُ عَنْ ذَلِكَ العَمَلِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ عالِمًا بِأنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي تَأْلِيفُ السَّفِينَةِ وتَرْكِيبُها ودَفْعُ الشَّرِّ عَنْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿ووَحْيِنا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى يُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ كَيْفَ يَنْبَغِي عَمَلُ السَّفِينَةِ حَتّى يَحْصُلَ مِنهُ المَطْلُوبُ.
* * *