Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 11:34
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: أُولَئِكَ الكُفّارُ كانُوا مُجَبِّرَةً، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ كُفْرَهم بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَعِنْدَ هَذا قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ نُصْحَهُ لا يَنْفَعُهم، إنْ كانَ الأمْرُ كَما قالُوا، ومِثالُهُ أنْ يُعاقِبَ الرَّجُلُ ولَدَهُ عَلى ذَنْبِهِ فَيَقُولُ الوَلَدُ: لا أقْدِرُ عَلى غَيْرِ ما أنا عَلَيْهِ، فَيَقُولُ الوالِدُ: فَلَنْ يَنْفَعَكَ إذًا نُصْحِي ولا زَجْرِي، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ يُصَدِّقُهُ عَلى ما ذَكَرَهُ، بَلْ عَلى وجْهِ الإنْكارِ لِذَلِكَ.
الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: مَعْنى ﴿يُغْوِيَكُمْ﴾ أيْ: يُعَذِّبَكم، والمَعْنى: لا يَنْفَعُكم نُصْحِي اليَوْمَ إذا نَزَلَ بِكُمُ العَذابُ فَآمَنتُمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ لِأنَّ الإيمانَ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ لا يُقْبَلُ، وإنَّما يَنْفَعُكم نُصْحِي إذا آمَنتُمْ قَبْلَ مُشاهَدَةِ العَذابِ.
الثّالِثُ: قالَ الجُبّائِيُّ: الغَوايَةُ هي الخَيْبَةُ مِنَ الطَّلَبِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مَرْيمَ: ٥٩] أيْ: خَيْبَةً مِن خَيْرِ الآخِرَةِ، قالَ الشّاعِرُ:
ومَن يَغْوَ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِما
الرّابِعُ: أنَّهُ إذا أصَرَّ عَلى الكُفْرِ وتَمادى فِيهِ، مَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى الألْطافَ وفَوَّضَهُ إلى نَفْسِهِ، فَهَذا شَبِيهُ ما إذا أرادَ إغْواءَهُ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَسُنَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أغْواهُ. هَذا جُمْلَةُ كَلِماتِ المُعْتَزِلَةِ في هَذا البابِ. والجَوابُ عَنْ أمْثالِ هَذِهِ الكَلِماتِ قَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا وأطْوارًا فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.