Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 11:34
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ إغْواءَهم لَما بَقِيَ في النُّصْحِ فائِدَةٌ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ لَما أمَرَهُ بِأنْ يَنْصَحَ الكُفّارَ، وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَأْمُورٌ بِدَعْوَةِ الكُفّارِ ونَصِيحَتِهِمْ، فَعَلِمْنا أنَّ هَذا النُّصْحَ غَيْرُ خالٍ عَنِ الفائِدَةِ، وإذا لَمْ يَكُنْ خالِيًا عَنِ الفائِدَةِ وجَبَ القَطْعُ بِأنَّهُ تَعالى ما أغْواهم، فَهَذا صارَ حُجَّةً لَنا مِن هَذا الوَجْهِ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أغْواهم، لَصارَ هَذا عُذْرًا لَهم في عَدَمِ إتْيانِهِمْ بِالإيمانِ، ولَصارَ نُوحٌ مُنْقَطِعًا في مُناظَرَتِهِمْ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ لَهُ: إنَّكَ سَلَّمْتَ أنَّ اللَّهَ أغْوانا، فَإنَّهُ لا يَبْقى في نُصْحِكَ ولا في جِدِّنا واجْتِهادِنا فائِدَةٌ، فَإذا ادَّعَيْتَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أغْوانا فَقَدْ جَعَلْتَنا مَعْذُورِينَ، فَلَمْ يَلْزَمْنا قَبُولُ هَذِهِ الدَّعْوَةِ، فَثَبَتَ أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ كَما قالَهُ الخَصْمُ، لَصارَ هَذا حُجَّةً لِلْكُفّارِ عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَعْلُومٌ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَجُوزُ أنْ يَذْكُرَ كَلامًا يَصِيرُ بِسَبَبِهِ مُفْحَمًا مُلْزَمًا عاجِزًا عَنْ تَقْرِيرِ حُجَّةِ اللَّهِ تَعالى، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى قَوْلِ المُجَبِّرَةِ، ثُمَّ إنَّهم ذَكَرُوا وُجُوهًا مِنَ التَّأْوِيلاتِ: