Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 11:18-22
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهم كانُوا يَسْتَثْقِلُونَ سَماعَ كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإبْصارَ صُورَتِهِ، فالجَوابُ أنَّهُ تَعالى نَفى الِاسْتِطاعَةَ فَحَمَلَهُ عَلى مَعْنًى آخَرَ خِلافَ الظّاهِرِ، وأيْضًا أنَّ حُصُولَ ذَلِكَ الِاسْتِثْقالِ إمّا أنْ يَمْنَعَ مِنَ الفَهْمِ والوُصُولِ إلى الغَرَضِ أوْ لَمْ يَمْنَعْ، فَإنْ مَنَعَ فَهو المَقْصُودُ، وإنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنهُ فَحِينَئِذٍ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا أجْنَبِيًّا عَنِ المَعانِي المُعْتَبَرَةِ في الفَهْمِ والإدْراكِ، ولا تَخْتَلِفُ أحْوالُ القَلْبِ في العِلْمِ والمَعْرِفَةِ بِسَبَبِهِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ جَعْلُهُ ذَمًّا لَهم في هَذا المَعْرِضِ، وأيْضًا قَدْ بَيَّنّا مِرارًا كَثِيرَةً في هَذا الكِتابِ أنَّ حُصُولَ الفِعْلِ مَعَ قِيامِ الصّارِفِ مُحالٌ، فَلَمّا بَيَّنَ تَعالى كَوْنَ هَذا المَعْنى صارِفًا عَنْ قَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، وبَيَّنَ فِيهِ أنَّهُ حَصَلَ حُصُولًا عَلى سَبِيلِ اللُّزُومِ بِحَيْثُ لا يَزُولُ البَتَّةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، كانَ المُكَلَّفُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مَمْنُوعًا عَنِ الإيمانِ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ المَطْلُوبُ، وأمّا قَوْلُهُ فَإنّا نَجْعَلُ هَذِهِ الصِّفَةَ مِن صِفَةِ الأوْثانِ فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ المُتَأخِّرَةِ عائِدًا إلى عَيْنِ ما عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ الأُولى.
* * *