Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 11:18-22
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الصِّفَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ والمُرادُ ما هم عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِن صَمَمِ القَلْبِ وعَمى النَّفْسِ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَخْلُقُ في المُكَلَّفِ ما يَمْنَعُهُ الإيمانَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: إنَّهُ تَعالى مَنَعَ الكافِرَ مِنَ الإيمانِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾، وأمّا في الآخِرَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القَلَمِ: ٤٢] وحاصِلُ الكَلامِ في هَذا الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعَ الأصْواتِ والحُرُوفِ، وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ كَوْنَهم عاجِزِينَ عَنِ الوُقُوفِ عَلى دَلائِلِ اللَّهِ تَعالى، والقَوْلُ الأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ البَدِيهَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ الأصْواتَ والحُرُوفَ، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الثّانِي. أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ بِأنَّ السَّمْعَ إمّا أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ الحاسَّةِ المَخْصُوصَةِ، أوْ عَنْ مَعْنى يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى في صِماخِ الأُذُنِ، وكِلاهُما لا يَقْدِرُ العَبْدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَوِ اجْتَهَدَ في أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ أوْ يَتْرُكَهُ لَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ، وإذا ثَبَتَ هَذا كانَ إثْباتُ الِاسْتِطاعَةِ فِيهِ مُحالًا، وإذا كانَ إثْباتُها مُحالًا كانَ نَفْيُ الِاسْتِطاعَةِ عَنْهُ هو الحَقَّ، فَثَبَتَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ لا يَقْدَحُ في قَوْلِنا. ثُمَّ قالَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ إهْمالُهم لَهُ ونُفُورُهم عَنْهُ، كَما يَقُولُ القائِلُ: هَذا كَلامٌ لا أسْتَطِيعُ أنْ أسْمَعَهُ، وهَذا مِمّا يَمُجُّهُ سَمْعِي. وذَكَرَ غَيْرُ الجُبّائِيِّ عُذْرًا آخَرَ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى نَفى أنْ يَكُونَ لَهم أوْلِياءُ، والمُرادُ الأصْنامُ، ثُمَّ بَيَّنَ نَفْيَ كَوْنِهِمْ أوْلِياءَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ فَكَيْفَ يَصْلُحُونَ لِلْوِلايَةِ.