Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 11:17
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا الأوَّلُ: وهو أنَّ هَذا الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ مَن هو ؟ فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ؛ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، وهو الأظْهَرُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، وهَذا صِيغَةُ جَمْعٍ، فَلا يَجُوزُ رُجُوعُهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ بِالبَيِّنَةِ هو البَيانُ والبُرْهانُ الَّذِي عُرِفَ بِهِ صِحَّةُ الدِّينِ الحَقِّ، والضَّمِيرُ في ﴿ويَتْلُوهُ﴾ يَرْجِعُ إلى مَعْنى البَيِّنَةِ، وهو البَيانُ والبُرْهانُ، والمُرادُ بِالشّاهِدِ هو القُرْآنُ، ومِنهُ أيْ مِنَ اللَّهِ، ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى، أيْ ويَتْلُو ذَلِكَ البُرْهانَ مِن قَبْلِ مَجِيءِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى.
واعْلَمْ أنَّ كَوْنَ كِتابِ مُوسى تابِعًا لِلْقُرْآنِ لَيْسَ في الوُجُودِ، بَلْ في دَلالَتِهِ عَلى هَذا المَطْلُوبِ، و﴿إمامًا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ، فالحاصِلُ أنَّهُ يَقُولُ: اجْتَمَعَ في تَقْرِيرِ صِحَّةِ هَذا الدِّينِ أُمُورٌ ثَلاثَةٌ:
أوَّلُها: دَلالَةُ البَيِّناتِ العَقْلِيَّةِ عَلى صِحَّتِهِ.
وثانِيها: شَهادَةُ القُرْآنِ بِصِحَّتِهِ.
وثالِثُها: شَهادَةُ التَّوْراةِ بِصِحَّتِهِ، فَعِنْدَ اجْتِماعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ لا يَبْقى في صِحَّتِهِ شَكٌّ ولا ارْتِيابٌ، فَهَذا القَوْلُ أحْسَنُ الأقاوِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ، وأقْرَبُها إلى مُطابَقَةِ اللَّفْظِ، وفِيها أقْوالٌ أُخَرُ: