Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 11:9-11
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَفْظُ الإذاقَةِ والذَّوْقِ يُفِيدُ أقَلَّ ما يُوجَدُ بِهِ الطَّعْمُ، فَكانَ المُرادُ أنَّ الإنْسانَ بِوِجْدانِ أقَلِّ القَلِيلِ مِنَ الخَيْراتِ العاجِلَةِ يَقَعُ في التَّمَرُّدِ والطُّغْيانِ، وبِإدْراكِ أقَلِّ القَلِيلِ مِنَ المِحْنَةِ والبَلِيَّةِ يَقَعُ في اليَأْسِ والقُنُوطِ والكُفْرانِ، فالدُّنْيا في نَفْسِها قَلِيلَةٌ، والحاصِلُ مِنها لِلْإنْسانِ الواحِدِ قَلِيلٌ، والإذاقَةُ مِن ذَلِكَ المِقْدارِ خَيْرٌ قَلِيلٌ، ثُمَّ إنَّهُ في سُرْعَةِ الزَّوالِ يُشْبِهُ أحْلامَ النّائِمِينَ وخَيالاتِ المُوَسْوَسِينَ، فَهَذِهِ الإذاقَةُ قَلِيلٌ مِن قَلِيلٍ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ الإنْسانَ لا طاقَةَ لَهُ بِتَحَمُّلِها ولا صَبْرَ لَهُ عَلى الإتْيانِ بِالطَّرِيقِ الحَسَنِ مَعَها. وأمّا النَّعْماءُ فَقالَ الواحِدِيُّ: إنَّها إنْعامٌ يَظْهَرُ أثَرُهُ عَلى صاحِبِهِ، والضَّرّاءُ مَضَرَّةٌ يَظْهَرُ أثَرُها عَلى صاحِبِها؛ لِأنَّها خَرَجَتْ مَخْرَجَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ، نَحْوُ حَمْراءَ وعَوْراءَ، وهَذا هو الفَرْقُ بَيْنَ النِّعْمَةِ والنَّعْماءِ، والمَضَرَّةِ والضَّرّاءِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا غَيْرُ باقِيَةٍ، بَلْ هي أبَدًا في التَّغَيُّرِ والزَّوالِ، والتَّحَوُّلِ والِانْتِقالِ، إلّا أنَّ الضّابِطَ فِيهِ أنَّهُ إمّا أنْ يَتَحَوَّلَ مِنَ النِّعْمَةِ إلى المِحْنَةِ، ومِنَ اللَّذّاتِ إلى الآفاتِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِالعَكْسِ مِن ذَلِكَ، وهو أنْ يَنْتَقِلَ مِنَ المَكْرُوهِ إلى المَحْبُوبِ، ومِنَ المُحَرَّماتِ إلى الطَّيِّباتِ.