Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:104-106
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا نَهْيًا عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ صارَ مَذْكُورًا بِقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فَوَجَبَ حَمْلُ هَذا الكَلامِ عَلى فائِدَةٍ زائِدَةٍ، وهو أنَّ مَن عَرَفَ مَوْلاهُ، فَلَوِ التَفَتَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِ كانَ ذَلِكَ شِرْكًا، وهَذا هو الَّذِي تُسَمِّيهِ أصْحابُ القُلُوبِ بِالشِّرْكِ الخَفِيِّ.
صفحة ١٣٩
والقَيْدُ السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ والمُمْكِنُ لِذاتِهِ مَعْدُومٌ بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ، ومَوْجُودٌ بِإيجادِ الحَقِّ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَما سِوى الحَقِّ فَلا وُجُودَ لَهُ إلّا بِإيجادِ الحَقِّ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا نافِعَ إلّا الحَقُّ، ولا ضارَّ إلّا الحَقُّ، فَكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ ولا رُجُوعَ في الدّارَيْنِ إلّا إلى اللَّهِ.
ثُمَّ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي لَوِ اشْتَغَلْتَ بِطَلَبِ المَنفَعَةِ والمَضَرَّةِ مِن غَيْرِ اللَّهِ فَأنْتَ مِنَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّ الظُّلْمَ عِبارَةٌ عَنْ وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَإذا كانَ ما سِوى الحَقِّ مَعْزُولًا عَنِ التَّصَرُّفِ كانَتْ إضافَةُ التَّصَرُّفِ إلى ما سِوى الحَقِّ وضْعًا لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَيَكُونُ ظُلْمًا.