Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:88-89
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو قَوْلُهم يُحْمَلُ قَوْلُهُ ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ عَلى أنَّ المُرادَ لِئَلّا يُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ، فَنَقُولُ: إنَّ هَذا التَّأْوِيلَ ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ في تَفْسِيرِهِ. وأقُولُ: إنَّهُ لَمّا شَرَعَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ أصْحابِنا أنَّهُ قَرَأ ”﴿فَمِن نَفْسِكَ﴾“ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى الإنْكارِ، ثُمَّ إنَّهُ اسْتَبْعَدَ هَذِهِ القِراءَةَ، وقالَ: إنَّها تَقْتَضِي تَحْرِيفَ القُرْآنِ وتَغْيِيرَهُ، وتَفْتَحُ بابَ تَأْوِيلاتِ الباطِنِيَّةِ، وبالَغَ في إنْكارِ تِلْكَ القِراءَةِ، وهَذا الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ هَهُنا شَرٌّ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ قَلَبَ النَّفْيَ إثْباتًا، والإثْباتَ نَفْيًا، وتَجْوِيزُهُ يَفْتَحُ بابَ أنْ لا يَبْقى الِاعْتِمادُ عَلى القُرْآنِ لا في نَفْيِهِ ولا في إثْباتِهِ، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ القُرْآنُ بِالكُلِّيَّةِ، هَذا بِعَيْنِهِ هو الجَوابُ عَنْ قَوْلِهِ: المُرادُ مِنهُ الِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى الإنْكارِ، فَإنَّ تَجْوِيزَهُ يُوجِبُ تَجْوِيزَ مِثْلِهِ في سائِرِ المَواطِنِ، فَلَعَلَّهُ تَعالى إنَّما قالَ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ [البقرة: ١١٠ ] عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ، وأمّا بَقِيَّةُ الجَواباتِ فَلا يَخْفى ضَعْفُها.