Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:62-64
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الخَوْفَ إنَّما يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ بِمَعْنى أنَّهُ يَخافُ حُدُوثَ شَيْءٍ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ المَخُوفِ، والحُزْنُ إنَّما يَكُونُ عَلى الماضِي إمّا لِأجْلِ أنَّهُ كانَ قَدْ حَصَلَ في الماضِي ما كَرِهَهُ أوْ لِأنَّهُ فاتَ شَيْءٌ أحَبَّهُ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ نَفْيَ الحُزْنِ والخَوْفِ إمّا أنْ يَحْصُلَ لِلْأوْلِياءِ حالَ كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا أوْ حالَ انْتِقالِهِمْ إلى الآخِرَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هَذا لا يَحْصُلُ في دارِ الدُّنْيا لِأنَّها دارُ خَوْفٍ وحُزْنٍ والمُؤْمِنُ خُصُوصًا لا يَخْلُو مِن ذَلِكَ عَلى ما قالَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ» “ وعَلى ما قالَ: ”«حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ، وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ» “
وثانِيها: أنَّ المُؤْمِنَ، وإنْ صَفا عَيْشُهُ في الدُّنْيا، فَإنَّهُ لا يَخْلُو مِن هَمٍّ بِأمْرِ الآخِرَةِ شَدِيدٍ، وحُزْنٍ عَلى ما يَفُوتُهُ مِنَ القِيامِ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وإذا بَطُلَ هَذا القِسْمُ وجَبَ حَمْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ عَلى أمْرِ الآخِرَةِ، فَهَذا كَلامٌ مُحَقَّقٌ.