Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:61
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَإنْ قِيلَ: ”إذْ“ هَهُنا بِمَعْنى حِينَ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الكَلامِ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا حِينَ تُفِيضُونَ فِيهِ، وشَهادَةُ اللَّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ عِلْمِهِ، فَيَلْزَمُ مِنهُ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى ما عَلِمَ الأشْياءَ إلّا عِنْدَ وُجُودِها، وذَلِكَ باطِلٌ.
قُلْنا: هَذا السُّؤالُ بِناءً عَلى أنَّ شَهادَةَ اللَّهِ تَعالى عِبادَةٌ عَنْ عِلْمِهِ، وهَذا مَمْنُوعٌ، فَإنَّ الشَّهادَةَ لا تَكُونُ إلّا عِنْدَ وُجُودِ المَشْهُودِ عَلَيْهِ، وأمّا العِلْمُ فَلا يَمْتَنِعُ تَقَدُّمُهُ عَلى الشَّيْءِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَوْ أخْبَرَنا عَنْ زَيْدٍ أنَّهُ يَأْكُلُ غَدًا كُنّا مِن قَبْلِ حُصُولِ تِلْكَ الحالَةِ عالِمِينَ بِها ولا نُوصَفُ بِكَوْنِنا شاهِدِينَ لَها.
واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذِهِ الكَلِماتِ أنَّهُ لا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ شَيْءٌ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ هَذا الكَلامَ زِيادَةَ تَأْكِيدٍ، فَقالَ: ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أصْلُ العُزُوبِ مِنَ البُعْدِ، يُقالُ: كَلَأٌ عازِبٌ إذا كانَ بَعِيدَ المَطْلَبِ، وعَزَبَ الرَّجُلُ بِإبِلِهِ إذا أرْسَلَها إلى مَوْضِعٍ بَعِيدٍ مِنَ المَنزِلِ، والرَّجُلُ سُمِّيَ عَزَبًا لِبُعْدِهِ عَنِ الأهْلِ، وعَزَبَ الشَّيْءُ عَنْ عِلْمِي إذا بَعُدَ.