Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:57
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ولا بُدَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ مِن فائِدَةٍ مَخْصُوصَةٍ، فَنَقُولُ: إنَّ الأرْواحَ لَمّا تَعَلَّقَتْ بِالأجْسادِ كانَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِسَبَبِ عِشْقٍ طَبِيعِيٍّ وجَبَ لِلرُّوحِ عَلى الجَسَدِ، ثُمَّ إنَّ جَوْهَرَ الرُّوحِ التَذَّ بِمُشْتَهَياتِ هَذا العالَمِ الجَسَدانِيِّ وطَيِّباتِهِ بِواسِطَةِ الحَواسِّ الخَمْسِ، وتَمَرَّنَ عَلى ذَلِكَ، وألِفَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ واعْتادَها.
ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ نُورَ العَقْلِ إنَّما يَحْصُلُ في آخِرِ الدَّرَجَةِ، حَيْثُ قَوِيَتِ العَلائِقُ الحِسِّيَّةُ والحَوادِثُ الجَسَدانِيَّةُ، فَصارَ ذَلِكَ الِاسْتِغْراقُ سَبَبًا لِحُصُولِ العَقائِدِ الباطِلَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ في جَوْهَرِ الرُّوحِ، وهَذِهِ الأحْوالُ تَجْرِي مَجْرى الأمْراضِ الشَّدِيدَةِ لِجَوْهَرِ الرُّوحِ، فَلا بُدَّ لَها مِن طَبِيبٍ حاذِقٍ، فَإنَّ مَن وقَعَ في المَرَضِ الشَّدِيدِ، فَإنْ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ طَبِيبٌ حاذِقٌ يُعالِجُهُ بِالعِلاجاتِ الصّائِبَةِ ماتَ لا مَحالَةَ، وإنِ اتَّفَقَ أنْ صادَفَهُ مِثْلُ هَذا الطَّبِيبِ، وكانَ هَذا البَدَنُ قابِلًا لِلْعِلاجاتِ الصّائِبَةِ فَرُبَّما حَصَلَتِ الصِّحَّةُ وزالَ السُّقْمُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ كالطَّبِيبِ الحاذِقِ، وهَذا القُرْآنُ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ أدْوِيَتِهِ الَّتِي بِتَرْكِيبِها تُعالَجُ القُلُوبُ المَرِيضَةُ. ثُمَّ إنَّ الطَّبِيبَ إذا وصَلَ إلى المَرِيضِ فَلَهُ مَعَهُ مَراتِبُ أرْبَعَةٌ: