Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:53-54
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ أنْ يُجِيبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ والفائِدَةُ فِيهِ أُمُورٌ:
أحَدُها: أنْ يَسْتَمِيلَهم ويَتَكَلَّمَ مَعَهم بِالكَلامِ المُعْتادِ.
ومِنَ الظّاهِرِ أنَّ مَن أخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ وأكَّدَهُ بِالقَسَمِ، فَقَدْ أخْرَجَهُ عَنِ الهَزْلِ، وأدْخَلَهُ في بابِ الجِدِّ.
وثانِيها: أنَّ النّاسَ طَبَقاتٌ فَمِنهم مَن لا يُقِرُّ بِالشَّيْءِ إلّا بِالبُرْهانِ الحَقِيقِيِّ، ومِنهم مَن لا يَنْتَفِعُ بِالبُرْهانِ الحَقِيقِيِّ، بَلْ يَنْتَفِعُ بِالأشْياءِ الإقْناعِيَّةِ نَحْوَ القَسَمِ، فَإنَّ الأعْرابِيَّ الَّذِي جاءَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وسَألَ عَنْ نَبُّوتِهِ ورِسالَتِهِ اكْتَفى في تَحْقِيقِ تِلْكَ الدَّعْوى بِالقَسَمِ، فَكَذا هَهُنا.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ولا بُدَّ فِيهِ مِن تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، فَيَكُونُ المُرادُ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ لِمَن وعَدَكم بِالعَذابِ أنْ يُنْزِلَهُ عَلَيْكم والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ أحَدًا لا يَجُوزُ أنْ يُمانِعَ رَبَّهُ ويُدافِعَهُ عَمّا أرادَ وقَضى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذا الجِنْسَ مِنَ الكَلِماتِ، إنَّما يَجُوزُ عَلَيْهِمْ ما دامُوا في الدُّنْيا، فَأمّا إذا حَضَرُوا مَحْفِلَ القِيامَةِ وعايَنُوا قَهْرَ اللَّهِ تَعالى، وآثارَ عَظَمَتِهِ، تَرَكُوا ذَلِكَ واشْتَغَلُوا بِأشْياءَ أُخْرى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم ثَلاثَةَ أشْياءَ: