Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:37-39
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فالمُرادُ مِنهُ: تَعْلِيمُ أنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ الإتْيانُ بِهَذِهِ المُعارَضَةِ لَوْ كانُوا قادِرِينَ عَلَيْها، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الجَماعَةَ إذا تَعاوَنَتْ وتَعاضَدَتْ صارَتْ تِلْكَ العُقُولُ الكَثِيرَةُ كالعَقْلِ الواحِدِ، فَإذا تَوَجَّهُوا نَحْوَ شَيْءٍ واحِدٍ قَدَرَ مَجْمُوعُهم عَلى ما يَعْجَزُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم، فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هَبْ أنَّ عَقْلَ الواحِدِ والِاثْنَيْنِ مِنكم لا يَفِي بِاسْتِخْراجِ مُعارَضَةِ القُرْآنِ فاجْتَمِعُوا ولْيُعِنْ بَعْضُكم بَعْضًا في هَذِهِ المُعارَضَةِ، فَإذا عَرَفْتُمْ عَجْزَكم حالَةَ الِاجْتِماعِ وحالَةَ الِانْفِرادِ عَنْ هَذِهِ المُعارَضَةِ، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أنَّ تَعَذُّرَ هَذِهِ المُعارَضَةِ إنَّما كانَ لِأنَّ قُدْرَةَ البَشَرِ غَيْرُ وافِيَةٍ بِها، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ فِعْلُ اللَّهِ لا فِعْلُ البَشَرِ.
واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ ظَهَرَ بِهَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ أنَّ مَراتِبَ تَحَدِّي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالقُرْآنِ سِتَّةٌ:
فَأوَّلُها: أنَّهُ تَحَدّاهم بِكُلِّ القُرْآنِ كَما قالَ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
وثانِيها: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَحَدّاهم بِعَشْرِ سُوَرٍ قالَ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ [هود: ١٣] .