Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:37-39
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا عِلْمُ الأعْمالِ فَهو إمّا أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْ عِلْمِ التَّكالِيفِ المُتَعَلِّقَةِ بِالظَّواهِرِ وهو عِلْمُ الفِقْهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ جَمِيعَ الفُقَهاءِ إنَّما اسْتَنْبَطُوا مَباحِثَهم مِنَ القُرْآنِ، وإمّا أنْ يَكُونَ عِلْمًا بِتَصْفِيَةِ الباطِنِ أوْ رِياضَةِ القُلُوبِ.
وقَدْ حَصَلَ في القُرْآنِ مِن مَباحِثِ هَذا العِلْمِ ما لا يَكادُ يُوجَدُ في غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] فَثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى تَفاصِيلِ جَمِيعِ العُلُومِ الشَّرِيفَةِ، عَقْلِيِّها ونَقْلِيِّها، اشْتِمالًا يَمْتَنِعُ حُصُولُهُ في سائِرِ الكُتُبِ
صفحة ٧٨
فَكانَ ذَلِكَ مُعْجِزًا، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَفْصِيلَ الكِتابِ﴾ .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَتَقْرِيرُهُ: أنَّ الكِتابَ الطَّوِيلَ المُشْتَمِلَ عَلى هَذِهِ العُلُومِ الكَثِيرَةِ لا بُدَّ وأنْ يَشْتَمِلَ عَلى نَوْعٍ مِن أنْواعِ التَّناقُضِ؛ وحَيْثُ خَلا هَذا الكِتابُ عَنْهُ عَلِمْنا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وبِوَحْيِهِ وتَنْزِيلِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] .