Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:28-29
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يُشِيرُ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ إلى دَقِيقَةٍ عَقْلِيَّةٍ، وهي أنَّ ما سِوى الواحِدِ الأحَدِ الحَقِّ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ مُحْتاجٌ بِحَسَبِ ماهِيَّتِهِ، والشَّيْءُ الواحِدُ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ قابِلًا وفاعِلًا مَعًا، فَما سِوى الواحِدِ الأحَدِ الحَقِّ لا تَأْثِيرَ لَهُ في الإيجادِ والتَّكْوِينِ، فالمُمْكِنُ المُحْدِثُ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَكُونَ مَعْبُودًا لِغَيْرِهِ، بَلِ المَعْبُودُ الحَقُّ لَيْسَ إلّا المُوجِدَ الحَقَّ، وذَلِكَ لَيْسَ إلّا المَوْجُودَ الحَقَّ الَّذِي هو واجِبُ الوُجُودِ لِذاتِهِ، فَبَراءَةُ المَعْبُودِ مِنَ العابِدِينَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ ما ذَكَرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”الحَشْرُ“ الجَمْعُ مِن كُلِّ جانِبٍ إلى مَوْقِفٍ واحِدٍ، و﴿جَمِيعًا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ: نَحْشُرُ الكُلَّ حالَ اجْتِماعِهِمْ. و﴿مَكانَكُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ الزَمُوا، والتَّقْدِيرُ: الزَمُوا مَكانَكم و”أنْتُمْ“ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ، ﴿وشُرَكاؤُكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَكانَكُمْ﴾ كَلِمَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، والمُرادُ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ لِلْعابِدِينَ والمَعْبُودِينَ: مَكانَكم، أيِ: الزَمُوا مَكانَكم حَتّى تُسْألُوا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٢]