Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:25
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ كَمالَ جُودِ اللَّهِ تَعالى وكَمالَ قُدْرَتِهِ وكَمالَ رَحْمَتِهِ بِعِبادِهِ مَعْلُومٌ، فَدَعَوَتُهُ عَبِيدَهُ إلى دارِ السَّلامِ، تَدُلُّ عَلى أنَّ دارَ السَّلامِ قَدْ حَصَلَ فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ؛ لِأنَّ العَظِيمَ إذا اسْتَعْظَمَ شَيْئًا ورَغَّبَ فِيهِ وبالَغَ في ذَلِكَ التَّرْغِيبِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى كَمالِ حالِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، لا سِيَّما وقَدْ مَلَأ اللَّهُ هَذا الكِتابَ المُقَدَّسَ مِن وصْفِ الجَنَّةِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩] ونَحْنُ نَذْكُرُ هاهُنا كَلامًا كُلِّيًّا في تَقْرِيرِ هَذا المَطْلُوبِ، فَنَقُولُ: الإنْسانُ إنَّما يَسْعى في يَوْمِهِ لِغَدِهِ. ولِكُلِّ إنْسانٍ غَدانِ، غَدٌ في الدُّنْيا وغَدٌ في الآخِرَةِ. فَنَقُولُ: غَدُ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن غَدِ الدُّنْيا مِن وُجُوهٍ
صفحة ٦٢
أرْبَعَةٍ:
أوَّلُها: أنَّ الإنْسانَ قَدْ لا يُدْرِكُ غَدَ الدُّنْيا وبِالضَّرُورَةِ يُدْرِكُ غَدَ الآخِرَةِ.
وثانِيها: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يُدْرِكَ غَدَ الدُّنْيا فَلَعَلَّهُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَنْتَفِعَ بِما جَمَعَهُ، إمّا لِأنَّهُ يَضِيعُ مِنهُ ذَلِكَ المالُ أوْ لِأنَّهُ يَحْصُلُ في بَدَنِهِ مَرَضٌ يَمْنَعُهُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ. أمّا غَدُ الآخِرَةِ فَكُلُّ ما اكْتَسَبَهُ الإنْسانُ لِأجْلِ هَذا اليَوْمِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَنْتَفِعَ بِهِ.