Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:24
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ مالِكَ ذَلِكَ البُسْتانِ لَمّا عَمَرَهُ بِإتْعابِ النَّفْسِ وكَدِّ الرُّوحِ، وعَلَّقَ قَلْبَهُ عَلى الِانْتِفاعِ بِهِ، فَإذا حَدَثَ ذَلِكَ السَّبَبُ المُهْلِكُ، وصارَ العَناءُ الشَّدِيدُ الَّذِي تَحَمَّلَهُ في الماضِي سَبَبًا لِحُصُولِ الشَّقاءِ الشَّدِيدِ لَهُ في المُسْتَقْبَلِ، وهو ما يَحْصُلُ لَهُ في قَلْبِهِ مِنَ الحَسَراتِ. فَكَذَلِكَ حالُ مَن وضَعَ قَلْبَهُ عَلى الدُّنْيا وأتْعَبَ نَفْسَهُ في تَحْصِيلِها، فَإذا ماتَ وفاتَهُ كُلُّ ما نالَ، صارَ العَناءُ الَّذِي تَحَمَّلَهُ في تَحْصِيلِ أسْبابِ الدُّنْيا، سَبَبًا لِحُصُولِ الشَّقاءِ العَظِيمِ لَهُ في الآخِرَةِ.
والوَجْهُ الخامِسُ: لَعَلَّهُ تَعالى إنَّما ضَرَبَ هَذا المَثَلَ لِمَن لا يُؤْمِنُ بِالمَعادِ، وذَلِكَ لِأنّا نَرى الزَّرْعَ الَّذِي قَدِ انْتَهى إلى الغايَةِ القُصْوى في التَّرْبِيَةِ، قَدْ بَلَغَ الغايَةَ في الزِّينَةِ والحُسْنِ، ثُمَّ يَعْرِضُ لِلْأرْضِ المُتَزَيِّنَةِ بِهِ آفَةٌ، فَيَزُولُ ذَلِكَ الحُسْنُ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ تَصِيرُ تِلْكَ الأرْضُ مَوْصُوفَةً بِتِلْكَ الزِّينَةِ مَرَّةً أُخْرى. فَذَكَرَ هَذا المِثالَ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ كانَ قادِرًا عَلى إعادَةِ الأحْياءِ في الآخِرَةِ لِيُجازِيَهم عَلى أعْمالِهِمْ؛ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.