Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:24
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ تَشْبِيهَ الحَياةِ الدُّنْيا بِهَذا النَّباتِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا لَخَّصَها القاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ عاقِبَةَ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا الَّتِي يُنْفِقُها المَرْءُ في بابِ الدُّنْيا كَعاقِبَةِ هَذا النَّباتِ، الَّذِي حِينَ عَظُمَ الرَّجاءُ في الِانْتِفاعِ بِهِ وقَعَ اليَأْسُ مِنهُ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ المُتَمَسِّكَ بِالدُّنْيا إذا وضَعَ عَلَيْها قَلْبَهُ وعَظُمَتْ رَغْبَتُهُ فِيها يَأْتِيهِ المَوْتُ. وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] خاسِرُونَ الدُّنْيا، وقَدْ أنْفَقُوا أعْمارَهم فِيها، وخاسِرُونَ مِنَ الآخِرَةِ، مَعَ أنَّهم مُتَوَجِّهُونَ إلَيْها.
والوَجْهُ الثّانِي في التَّشْبِيهِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ كَما لَمْ يَحْصُلْ لِذَلِكَ الزَّرْعِ عاقِبَةٌ تُحْمَدُ، فَكَذَلِكَ المُغْتَرُّ بِالدُّنْيا المُحِبُّ لَها لا يَحْصُلُ لَهُ عاقِبَةٌ تُحْمَدُ.
صفحة ٦٠
والوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ وجْهُ التَّشْبِيهِ مِثْلَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] فَلَمّا صارَ سَعْيُ هَذا الزَّرّاعِ باطِلًا بِسَبَبِ حُدُوثِ الأسْبابِ المُهْلِكَةِ، فَكَذَلِكَ سَعْيُ المُغْتَرِّ بِالدُّنْيا.