Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:24
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أتْبَعَهُ بِهَذا المَثَلِ العَجِيبِ الَّذِي ضَرَبَهُ لِمَن يَبْغِي في الأرْضِ ويَغْتَرُّ بِالدُّنْيا، ويَشْتَدُّ تَمَسُّكُهُ بِها، ويَقْوى إعْراضُهُ عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ والتَّأهُّبِ لَها، فَقالَ: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ وهَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ بِسَبَبِ هَذا الماءِ النّازِلِ مِنَ السَّماءِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا نَزَلَ المَطَرُ يَنْبُتُ بِسَبَبِهِ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ النَّباتِ، وتَكُونُ تِلْكَ الأنْواعُ مُخْتَلِطَةً، وهَذا فِيما لَمْ يَكُنْ نابِتًا قَبْلَ نُزُولِ المَطَرِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الَّذِي نَبَتَ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَتَرَعْرَعْ، ولَمْ يَهْتَزَّ. وإنَّما هو في أوَّلِ بُرُوزِهِ مِنَ الأرْضِ ومَبْدَأِ حُدُوثِهِ، فَإذا نَزَلَ المَطَرُ عَلَيْهِ واخْتَلَطَ بِذَلِكَ المَطَرِ؛ أيِ اتَّصَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ اهْتَزَّ ذَلِكَ النَّباتُ ورَبا وحَسُنَ، وكَمُلَ واكْتَسى كَمالَ الرَّوْنَقِ والزِّينَةِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ التَّزَخْرُفَ عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ حُسْنِ الشَّيْءِ. فَجُعْلَتِ الأرْضُ آخِذَةً زُخْرُفَها عَلى التَّشْبِيهِ بِالعَرُوسِ إذا لَبِسَتِ الثِّيابَ الفاخِرَةَ مِن كُلِّ لَوْنٍ، وتَزَيَّنَتْ بِجَمِيعِ الألْوانِ المُمْكِنَةِ في الزِّينَةِ مِن حُمْرَةٍ وخُضْرَةٍ وصُفْرَةٍ وذَهَبِيَّةٍ وبَياضٍ، ولا شَكَّ أنَّهُ مَتى صارَ البُسْتانُ عَلى هَذا الوَجْهِ وبِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَإنَّهُ يَفْرَحُ بِهِ المالِكُ ويَعْظُمُ رَجاؤُهُ في الِانْتِفاعِ بِهِ، ويَصِيرُ قَلْبُهُ مُسْتَغْرِقًا فِيهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُرْسِلُ عَلى هَذا البُسْتانِ العَجِيبِ آفَةً عَظِيمَةً دُفْعَةً واحِدَةً في لَيْلٍ أوْ نَهارٍ مِن بَرْدٍ أوْ رِيحٍ أوْ سَيْلٍ، فَصارَتْ تِلْكَ الأشْجارُ والزُّرُوعُ باطِلَةً هالِكَةً كَأنَّها ما حَصَلَتِ البَتَّةَ. فَلا شَكَّ أنَّهُ تَعْظُمُ حَسْرَةُ مالِكِ ذَلِكَ البُسْتانِ ويَشْتَدُّ حُزْنُهُ، فَكَذَلِكَ مَن وضَعَ قَلْبَهُ عَلى لَذّاتِ الدُّنْيا وطَيِّباتِها، فَإذا فاتَتْهُ تِلْكَ الأشْياءُ يَعْظُمُ حُزْنُهُ وتَلَهُّفُهُ عَلَيْها.