Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:22-23
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قُلْنا: البَغْيُ قَدْ يَكُونُ بِالحَقِّ، وهو اسْتِيلاءُ المُسْلِمِينَ عَلى أرْضِ الكَفَرَةِ وهَدْمُ دُورِهِمْ وإحْراقُ زُرُوعِهِمْ وقَطْعُ أشْجارِهِمْ، كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَنِي قُرَيْظَةَ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ هَذا البَغْيَ أمْرٌ باطِلٌ يَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَحْتَرِزَ مِنهُ فَقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ الأكْثَرُونَ: (مَتاعُ) بِرَفْعِ العَيْنِ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿مَتاعَ﴾ بِنَصْبِ العَيْنِ، أمّا الرَّفْعُ فَفِيهِ وجْهانِ، الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ مُبْتَدَأً، وقَوْلُهُ: (مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا) خَبَرًا. والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ بَغْيُ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] ومَعْنى الكَلامِ أنَّ بَغْيَ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ مَنفَعَةُ الحَياةِ الدُّنْيا ولا بَقاءَ لَها. والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَغْيُكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلَهُ: ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ خَبَرُهُ، وقَوْلُهُ: (مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هو مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا. وأمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ فَوَجْهُها أنْ نَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَغْيُكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلَهُ: ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ خَبَرُهُ، وقَوْلَهُ: ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ، والتَّقْدِيرُ: تَتَمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا.