Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:18
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّالِثُ: أنَّ العِبادَةَ أعْظَمُ أنْواعِ التَّعْظِيمِ، فَهي لا تَلِيقُ إلّا بِمَن صَدَرَ عَنْهُ أعْظَمُ أنْواعِ الإنْعامِ، وذَلِكَ لَيْسَ إلّا الحَياةَ والعَقْلَ والقُدْرَةَ ومَصالِحَ المَعاشِ والمَعادِ، فَإذا كانَتِ المَنافِعُ والمَضارُّ كُلُّها مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وجَبَ أنْ لا تَلِيقَ العِبادَةُ إلّا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ.
وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهم: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ تَوَهَّمُوا أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ أشَدُّ في تَعْظِيمِ اللَّهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. فَقالُوا: لَيْسَتْ لَنا أهْلِيَّةٌ أنْ نَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ نَحْنُ نَشْتَغِلُ بِعِبادَةِ هَذِهِ الأصْنامِ، وأنَّها تَكُونُ شُفَعاءَ لَنا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ اخْتَلَفُوا في أنَّهم كَيْفَ قالُوا في الأصْنامِ: إنَّها شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ؟ وذَكَرُوا فِيهِ أقْوالًا كَثِيرَةً:
فَأحَدُها: أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ المُتَوَلِّيَ لِكُلِّ إقْلِيمٍ مِن أقالِيمِ العالَمِ رُوحٌ مُعَيَّنٌ مِن أرْواحِ عالَمِ الأفْلاكِ، فَعَيَّنُوا لِذَلِكَ الرُّوحِ صَنَمًا مُعَيَّنًا واشْتَغَلُوا بِعِبادَةِ ذَلِكَ الصَّنَمِ، ومَقْصُودُهم عِبادَةُ ذَلِكَ الرُّوحِ، ثُمَّ اعْتَقَدُوا أنَّ ذَلِكَ الرُّوحَ يَكُونُ عَبْدًا لِلْإلَهِ الأعْظَمِ ومُشْتَغِلًا بِعُبُودِيَّتِهِ.