cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:12

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

بِالذِّكْرِ اشْتِغالٌ بِالحَقِّ، والِاشْتِغالَ بِالدُّعاءِ اشْتِغالٌ بِطَلَبِ حَظِّ النَّفْسِ، ولا شَكَّ أنَّ الأوَّلَ أفْضَلُ، ثُمَّ إنِ اشْتَغَلَ بِالدُّعاءِ وجَبَ أنْ يَشْتَرِطَ فِيهِ أنْ يَكُونَ إزالَتُهُ صَلاحًا في الدِّينِ، وبِالجُمْلَةِ فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الدِّينُ راجِحًا عِنْدَهُ عَلى الدُّنْيا. وثالِثُها: أنَّهُ سُبْحانَهُ إذا أزالَ عَنْهُ تِلْكَ البَلِيَّةَ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُبالِغَ في الشُّكْرِ، وأنْ لا يَخْلُوَ عَنْ ذَلِكَ الشُّكْرِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وأحْوالِ الشِّدَّةِ والرَّخاءِ، فَهَذا هو الطَّرِيقُ الصَّحِيحُ عِنْدَ نُزُولِ البَلاءِ. وهاهُنا مَقامٌ آخَرُ أعْلى وأفْضَلُ مِمّا ذَكَرْناهُ، وهو أنَّ أهْلَ التَّحْقِيقِ قالُوا: إنَّ مَن كانَ في وقْتِ وِجْدانِ النِّعْمَةِ مَشْغُولًا بِالنِّعْمَةِ لا بِالمُنْعِمِ كانَ عِنْدَ البَلِيَّةِ مَشْغُولًا بِالبَلاءِ لا بِالمُبْلِي، ومِثْلُ هَذا الشَّخْصِ يَكُونُ أبَدًا في البَلاءِ، أمّا في وقْتِ البَلاءِ فَلا شَكَّ أنَّهُ يَكُونُ في البَلاءِ، وأمّا في وقْتِ حُصُولِ النَّعْماءِ فَإنَّ خَوْفَهُ مِن زَوالِها يَكُونُ أشَدَّ أنْواعِ البَلاءِ، فَإنَّ النِّعْمَةَ كُلَّما كانَتْ أكْمَلَ وألَذَّ وأقْوى وأفْضَلَ كانَ خَوْفُ زَوالِها أشَدَّ إيذاءً وأقْوى إيحاشًا، فَثَبَتَ أنَّ مَن كانَ مَشْغُولًا بِالنِّعْمَةِ كانَ أبَدًا في لُجَّةِ البَلِيَّةِ. أمّا مَن كانَ في وقْتِ النِّعْمَةِ مَشْغُولًا بِالمُنْعِمِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ في وقْتِ البَلاءِ مَشْغُولًا بِالمُبْلِي، وإذا كانَ المُنْعِمُ والمُبْلِي واحِدًا كانَ نَظَرُهُ أبَدًا عَلى مَطْلُوبٍ واحِدٍ، وكانَ مَطْلُوبُهُ مُنَزَّهًا عَنِ التَّغَيُّرِ مُقَدَّسًا عَنِ التَّبَدُّلِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ في وقْتِ البَلاءِ وفي وقْتِ النَّعْماءِ غَرِقًا في بَحْرِ السَّعاداتِ، واصِلًا إلى أقْصى الكَمالاتِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ البَيانِ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ، ومَن أرادَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ فَلْيَكُنْ مِنَ الواصِلِينَ إلى العَيْنِ دُونَ السّامِعِينَ لِلْأثَرِ.

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.