Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:9-10
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: أنَّ الدَّعْوى هاهُنا بِمَعْنى الدُّعاءِ، يُقالُ: دَعا يَدْعُو دُعاءً ودَعْوى، كَما يُقالُ: شَكا يَشْكُو شِكايَةً وشَكْوى. قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ﴿دَعْواهُمْ﴾ أيْ: دُعاؤُهم. وقالَ تَعالى في أهْلِ الجَنَّةِ: ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] وقالَ في آيَةٍ أُخْرى ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥] ومِمّا يُقَوِّي أنَّ المُرادَ مِنَ الدَّعْوى هاهُنا الدُّعاءُ، هو أنَّهم قالُوا: اللَّهُمَّ، وهَذا نِداءٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ إنّا نُسَبِّحَكَ، كَقَوْلِ القانِتِ في دُعاءِ القُنُوتِ: ”اللَّهُمَّ إيّاكَ نَعْبُدُ“ .
الثّانِي: أنْ يُرادَ بِالدُّعاءِ العِبادَةُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] أيْ: وما تَعْبُدُونَ. فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ لا عِبادَةَ لِأهْلِ الجَنَّةِ إلّا أنْ يُسَبِّحُوا اللَّهَ ويَحْمَدُوهُ، ويَكُونُ اشْتِغالُهم بِذَلِكَ الذِّكْرِ لا عَلى سَبِيلِ التَّكْلِيفِ، بَلْ عَلى سَبِيلِ الِابْتِهاجِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى.
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الدَّعْوى نَفْسَ الدَّعْوى الَّتِي تَكُونُ لِلْخَصْمِ عَلى الخَصْمِ، والمَعْنى: أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَدْعُونَ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعالى عَنْ كُلِّ المَعايِبِ، والإقْرارَ لَهُ بِالإلَهِيَّةِ. قالَ القَفّالُ: أصِلُ ذَلِكَ أيْضًا مِنَ الدُّعاءِ؛ لِأنَّ الخَصْمَ يَدْعُو خَصْمَهُ إلى مَن يَحْكُمُ بَيْنَهُما.