Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:7-8
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ والمُرادُ أنَّهم صارُوا في الإعْراضِ عَنْ طَلَبِ لِقاءِ اللَّهَ تَعالى بِمَنزِلَةِ الغافِلِ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا يَخْطُرُ بِبالِهِ طُولَ عُمُرِهِ ذِكْرُ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الصِّفاتُ الأرْبَعَةُ دالَّةٌ عَلى شِدَّةِ بُعْدِهِ عَنْ طَلَبِ الِاسْتِسْعادِ بِالسَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ الرُّوحانِيَّةِ، وعَلى شِدَّةِ اسْتِغْراقِهِ في طَلَبِ هَذِهِ الخَيْراتِ الجُسْمانِيَّةِ والسَّعاداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِهَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعِ قالَ: ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: النِّيرانُ عَلى أقْسامٍ: النّارُ الَّتِي هي جِسْمٌ مَحْسُوسٌ مُضِيءٌ مُحْرِقٌ صاعِدًا بِالطَّبْعِ، والإقْرارُ بِهِ واجِبٌ، لِأجْلِ أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ أنَّ الإقْرارَ بِالجَنَّةِ والنّارِ حَقٌّ.
القِسْمُ الثّانِي: النّارُ الرُّوحانِيَّةُ العَقْلِيَّةُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ مَن أحَبَّ شَيْئًا حُبًّا شَدِيدًا، ثُمَّ ضاعَ عَنْهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهُ الوُصُولُ إلَيْهِ، فَإنَّهُ يَحْتَرِقُ قَلْبُهُ وباطِنُهُ، وكُلُّ عاقِلٍ يَقُولُ: إنَّ فُلانًا مُحْتَرِقُ القَلْبِ مُحْتَرِقُ الباطِنِ بِسَبَبِ فِراقِ ذَلِكَ المَحْبُوبِ. وألَمُ هَذِهِ النّارِ أقْوى بِكَثِيرٍ مِن ألَمِ النّارِ المَحْسُوسَةِ.