Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:4
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إعْدامِ أجْسامِ العالَمِ، واخْتَلَفُوا في أنَّهُ تَعالى هَلْ يَعْدِمُها أمْ لا ؟ فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ تَعالى يَعْدِمُها، واحْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ بِأنَّهُ يُعِيدُها، فَوَجَبَ أنْ يُعِيدَ الأجْسامَ أيْضًا، وإعادَتُها لا تُمْكِنُ إلّا بَعْدَ إعْدامِها، وإلّا لَزِمَ إيجادُ المَوْجُودِ وهو مُحالٌ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] فَحَكَمَ بِأنَّ الإعادَةَ تَكُونُ مِثْلَ الِابْتِداءِ، ثُمَّ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ تَعالى إنَّما يَخْلُقُها في الِابْتِداءِ مِنَ العَدَمِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى يُعِيدُها أيْضًا مِنَ العَدَمِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ إضْمارٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ لِيَأْمُرَهم بِالعِبادَةِ، ثُمَّ يُمِيتُهم، ثُمَّ يُعِيدُهم، كَما قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] إلّا أنَّهُ تَعالى حَذَفَ ذِكْرَ الأمْرِ بِالعِبادَةِ هاهُنا، لِأجْلِ أنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾
صفحة ٢٦
﴿فاعْبُدُوهُ﴾ [يونس: ٣] وحَذَفَ ذِكْرَ الإماتَةِ لِأنَّ ذِكْرَ الإعادَةِ يَدُلُّ عَلَيْها.