Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:4
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
صفحة ٢٣
المُقَدِّماتِ المَذْكُورَةِ، ولَزِمَ إنْكارُ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ وإنْكارُ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ القَطْعِيَّةِ. فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ لِهَذِهِ الأجْسادِ البالِيَةِ والعِظامِ النَّخِرَةِ والأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ المُتَمَزِّقَةِ مِنَ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، لِيَصِلَ المُحْسِنُ إلى ثَوابِهِ والمُسِيءُ إلى عِقابِهِ، فَإنْ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ الحالَةُ لَمْ يَحْصُلِ الوَعْدُ والوَعِيدُ، وإنْ لَمْ يَحْصُلا لَمْ يَحْصُلِ الأمْرُ والنَّهْيُ، وإنْ لَمْ يَحْصُلا لَمْ تَحْصُلِ الإلَهِيَّةُ، وإنْ لَمْ تَحْصُلِ الإلَهِيَّةُ لَمْ تَحْصُلْ هَذِهِ التَّغَيُّراتُ في العالَمِ. وهَذِهِ الحُجَّةُ هي المُرادُ مِنَ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها وهي قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ هَذا كُلُّهُ تَقْرِيرُ إثْباتِ المَعادِ، بِناءً عَلى أنَّ لِهَذا العالَمِ إلَهًا رَحِيمًا ناظِرًا مُحْسِنًا إلى العِبادِ.
أمّا الفَرِيقُ الثّانِي: وهُمُ الَّذِينَ لا يُعَلِّلُونَ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى بِرِعايَةِ المَصالِحِ، فَطَرِيقُهم إلى إثْباتِ المَعادِ أنْ قالُوا: المَعادُ أمْرٌ جائِزُ الوُجُودِ، والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أخْبَرُوا عَنْهُ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِصِحَّتِهِ، أمّا إثْباتُ الإمْكانِ فَهو مَبْنِيٌّ عَلى مُقَدِّماتٍ ثَلاثَةٍ: