cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:4

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

الحُجَّةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى أنَّ العالَمَ مُحْدَثٌ ولا بُدَّ لَهُ مِن مُحْدِثٍ قادِرٍ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ عالِمًا؛ لِأنَّ الفِعْلَ المُحْكَمَ المُتْقَنَ لا يَصْدُرُ إلّا مِنَ العالِمِ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ غَنِيًّا عَنْها وإلّا لَكانَ قَدْ خَلَقَها في الأزَلِ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ لِهَذا العالَمِ إلَهًا قادِرًا عالِمًا غَنِيًّا، ثُمَّ لَمّا تَأمَّلْنا فَقُلْنا: هَلْ يَجُوزُ في حَقِّ هَذا الحَكِيمِ الغَنِيِّ عَنِ الكُلِّ أنْ يُهْمِلَ عَبِيدَهُ ويَتْرُكَهم سُدًى، ويُجَوِّزَ لَهم أنْ يَكْذِبُوا عَلَيْهِ ويُبِيحَ لَهم أنْ يَشْتُمُوهُ، ويَجْحَدُوا رُبُوبِيَّتَهُ، ويَأْكُلُوا نِعْمَتَهُ ويَعْبُدُوا الجِبْتَ والطّاغُوتَ ويَجْعَلُوا لَهُ أنْدادًا، ويُنْكِرُوا أمْرَهُ ونَهْيَهُ ووَعْدَهُ ووَعِيدَهُ ؟ فَهاهُنا حَكَمَتْ بَدِيهَةُ العَقْلِ بِأنَّ هَذِهِ المَعانِيَ لا تَلِيقُ إلّا بِالسَّفِيهِ الجاهِلِ البَعِيدِ مِنَ الحِكْمَةِ. القَرِيبِ مِنَ العَبَثِ، فَحَكَمْنا لِأجْلِ هَذِهِ المُقَدِّمَةِ أنَّ لَهُ أمْرًا ونَهْيًا، ثُمَّ تَأمَّلْنا فَقُلْنا: هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ أمْرٌ ونَهْيٌ مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ لَهُ وعْدٌ ووَعِيدٌ ؟ فَحَكَمَ صَرِيحُ العَقْلِ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَقْرِنِ الأمْرَ بِالوَعْدِ بِالثَّوابِ، ولَمْ يَقْرِنِ النَّهْيَ بِالوَعِيدِ بِالعِقابِ لَمْ يَتَأكَّدِ الأمْرُ والنَّهْيُ، ولَمْ يَحْصُلِ المَقْصُودُ. فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ، ثُمَّ تَأمَّلْنا فَقُلْنا: هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ وعْدٌ ووَعِيدٌ، ثُمَّ إنَّهُ لا يَفِي بِوَعْدِهِ لِأهْلِ الثَّوابِ ولا بِوَعِيدِهِ لِأهْلِ العِقابِ ؟ فَقُلْنا: إنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَوْ جازَ ذَلِكَ لَما حَصَلَ الوُثُوقُ بِوَعْدِهِ ولا بِوَعِيدِهِ، وهَذا يُوجِبُ أنْ لا يَبْقى فائِدَةٌ في الوَعْدِ والوَعِيدِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَحْقِيقِ الثَّوابِ والعِقابِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِالحَشْرِ والبَعْثِ، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ. فَهَذِهِ مُقَدِّماتٌ يَتَعَلَّقُ بَعْضُها بِالبَعْضِ، كالسِّلْسِلَةِ مَتى صَحَّ بَعْضُها صَحَّ كُلُّها، ومَتى فَسَدَ بَعْضُها فَسَدَ كُلُّها، فَدَلَّ مُشاهَدَةُ أبْصارِنا لِهَذِهِ التَّغَيُّراتِ عَلى حُدُوثِ العالَمِ، ودَلَّ حُدُوثُ العالَمِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ الغَنِيِّ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى وُجُودِ الأمْرِ والنَّهْيِ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى وُجُودِ الثَّوابِ والعِقابِ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى وُجُوبِ الحَشْرِ. فَإنْ لَمْ يَثْبُتِ الحَشْرُ أدّى ذَلِكَ إلى بُطْلانِ جَمِيعِ

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.