Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:4
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: وجَبَ القَطْعُ أيْضًا بِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَجْتَمِعَ مَرَّةً أُخْرى عَلى مِثالِ الِاجْتِماعِ الأوَّلِ، وأيْضًا فَذَلِكَ المَنِيُّ لَمّا وقَعَ في رَحِمِ الأُمِّ، فَقَدْ كانَ قَطْرَةً صَغِيرَةً، ثُمَّ تَوَلَّدَ مِنهُ بَدَنُ الإنْسانِ، وتَعَلَّقَتِ الرُّوحُ بِهِ حالَ ما كانَ ذَلِكَ البَدَنُ في غايَةِ الصِّغَرِ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ البَدَنَ لا شَكَّ أنَّهُ في غايَةِ الرُّطُوبَةِ، ولا شَكَّ أنَّهُ يَتَحَلَّلُ مِنهُ أجْزاءٌ كَثِيرَةٌ بِسَبَبِ عَمَلِ الحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ فِيها، وأيْضًا فَتِلْكَ الأجْزاءُ البَدَنِيَّةُ الباقِيَةُ أبَدًا في طُولِ العُمُرِ تَكُونُ في التَّحَلُّلِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما حَصَلَ الجُوعُ، ولَما حَصَلَتِ الحاجَةُ إلى الغِذاءِ، مَعَ أنّا نَقْطَعُ بِأنَّ هَذا الإنْسانَ الشَّيْخَ، هو عَيْنُ ذَلِكَ الإنْسانِ الَّذِي كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ. ثُمَّ انْفَصَلَ وكانَ طِفْلًا ثُمَّ شابًّا، فَثَبَتَ أنَّ الأجْزاءَ البَدَنِيَّةَ دائِمَةُ التَّحَلُّلِ، وأنَّ الإنْسانَ هو هو بِعَيْنِهِ. فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ الإنْسانَ، إمّا أنْ يَكُونَ جَوْهَرًا مُفارِقًا مُجَرَّدًا، وإمّا أنْ يَكُونَ جِسْمًا نُورانِيًّا لَطِيفًا باقِيًا مَعَ تَحَلُّلِ هَذا البَدَنِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا يَمْتَنِعُ عَوْدُهُ إلى الجُثَّةِ مَرَّةً أُخْرى، ويَكُونُ هَذا الإنْسانُ العائِدُ عَيْنَ الإنْسانِ الأوَّلِ، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِالمَعادِ صِدْقٌ.