Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:4
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ التّاسِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ الحَيَوانَ ما دامَ يَكُونُ حَيَوانًا، فَإنَّهُ إنْ قُطِعَ مِنهُ شَيْءٌ مِثْلُ ظُفْرٍ أوْ ظِلْفٍ أوْ شَعْرٍ، فَإنَّهُ يَعُودُ ذَلِكَ الشَّيْءُ، وإنْ جُرِحَ انْدَمَلَ، ويَكُونُ الدَّمُ جارِيًا في عُرُوقِهِ وأعْضائِهِ جَرَيانَ الماءِ في عُرُوقِ الشَّجَرِ وأغْصانِهِ، ثُمَّ إذا ماتَ انْقَلَبَتْ هَذِهِ الأحْوالُ، فَإنْ قُطِعَ مِنهُ شَيْءٌ مِن شَعْرِهِ أوْ ظُفْرِهِ لَمْ يَنْبُتْ، وإنْ جُرِحَ لَمْ يَنْدَمِلْ ولَمْ يَلْتَحِمْ، ورَأيْتَ الدَّمَ يَتَجَمَّدُ في عُرُوقِهِ، ثُمَّ بِالآخِرَةِ يَؤُولُ حالُهُ إلى الفَسادِ والِانْحِلالِ. ثُمَّ إنّا لَمّا نَظَرْنا إلى الأرْضِ وجَدْناها شَبِيهَةً بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَإنّا نَراها في زَمانِ الرَّبِيعِ تَفُورُ عُيُونُها وتَرْبُو تِلالُها ويَنْجَذِبُ الماءُ إلى أغْصانِ الأشْجارِ وعُرُوقِها، والماءُ في الأرْضِ بِمَنزِلَةِ الدَّمِ الجارِي في بَدَنِ الحَيَوانِ، ثُمَّ تَخْرُجُ أزْهارُها وأنْوارُها وثِمارُها كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] وإنْ جُذَّ مِن نَباتِها شَيْءٌ أخْلَفَ ونَبَتَ مَكانَهُ آخَرُ مِثْلُهُ، وإنْ قُطِعَ غُصْنٌ مِن أغْصانِ الأشْجارِ أخْلَفَ، وإنْ جُرِحَ التَأمَ، وهَذِهِ الأحْوالُ شَبِيهَةٌ بِالأحْوالِ الَّتِي ذَكَرْناها لِلْحَيَوانِ. ثُمَّ إذا جاءَ الشِّتاءُ واشْتَدَّ البَرْدُ غارَتْ عُيُونُها وجَفَّتْ رُطُوبَتُها وفَسَدَتْ بُقُولُها، ولَوْ قَطَعْنا غُصْنًا مِن شَجَرَةٍ ما أخْلَفَ، فَكانَتْ هَذِهِ الأحْوالُ شَبِيهَةً بِالمَوْتِ بَعْدَ الحَياةِ. ثُمَّ إنّا نَرى الأرْضَ في الرَّبِيعِ الثّانِي تَعُودُ إلى تِلْكَ الحَياةِ، فَإذا عَقَلْنا هَذِهِ المَعانِيَ في إحْدى الصُّورَتَيْنِ، فَلِمَ لا نَعْقِلُ مِثْلَهُ في الصُّورَةِ الثّانِيَةِ ؟ بَلْ نَقُولُ: لا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ أشْرَفُ مِن سائِرِ الحَيَواناتِ، والحَيَوانَ أشْرَفُ مِنَ النَّباتِ، وهو أشْرَفُ مِنَ الجَماداتِ. فَإذا حَصَلَتْ هَذِهِ الأحْوالُ في الأرْضِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ حُصُولُها في الإنْسانِ ؟ !