Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:4
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ صَرِيحَ العَقْلِ يُوجِبُ في حِكْمَةِ الحَكِيمِ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ المُحْسِنِ وبَيْنَ المُسِيءِ، وأنْ لا يَجْعَلَ مَن كَفَرَ بِهِ، أوْ جَحَدَهُ بِمَنزِلَةِ مَن أطاعَهُ، ولَمّا وجَبَ إظْهارُ هَذِهِ التَّفْرِقَةِ فَحُصُولُ هَذِهِ التَّفْرِقَةِ إمّا أنْ يَكُونَ في دارِ الدُّنْيا، أوْ في دارِ الآخِرَةِ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنّا نَرى الكُفّارَ والفُسّاقَ في الدُّنْيا في أعْظَمِ الرّاحاتِ، ونَرى العُلَماءَ والزُّهّادَ بِالضِّدِّ مِنهُ، ولِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ بَعْدَ هَذِهِ الدّارِ مِن دارٍ أُخْرى، وهو المُرادُ مِنَ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها وهي قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ وهو المُرادُ أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ طه: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] وبِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ص: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] .
فَإنْ قِيلَ: أما أنْكَرْتُمْ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لا يَفْصِلُ بَيْنَ المُحْسِنِ وبَيْنَ المُسِيءِ في الثَّوابِ والعِقابِ، كَما لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُما في حُسْنِ الصُّورَةِ وفي كَثْرَةِ المالِ ؟