Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:3
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ وهو المَشْهُورُ، أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ تَدْبِيرَهُ لِلْأشْياءِ وصُنْعَهُ لَها لا يَكُونُ بِشَفاعَةِ شَفِيعٍ وتَدْبِيرِ مُدَبِّرٍ. ولا يَسْتَجْرِئُ أحَدٌ أنْ يَشْفَعَ إلَيْهِ في شَيْءٍ إلّا بَعْدَ إذْنِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمَوْضِعِ الحِكْمَةِ والصَّوابِ، فَلا يَجُوزُ لَهم أنْ يَسْألُوهُ ما لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ صَوابٌ وصَلاحٌ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ ذِكْرُ الشَّفِيعِ بِصِفَةِ مَبْدَئِيَّةِ الخَلْقِ، وإنَّما يَلِيقُ ذِكْرُهُ بِأحْوالِ القِيامَةِ ؟
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، وهو أنَّ الكُفّارَ الَّذِينَ كانُوا مُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الأصْنامَ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، فالمُرادُ مِنهُ: الرَّدُّ عَلَيْهِمْ في هَذا القَوْلِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨] .
والوَجْهُ الثّانِي: وهو يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَوْنَهُ إلَهًا لِلْعالَمِ مُسْتَقِلًّا بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ مِن غَيْرِ شَرِيكٍ ولا مُنازِعٍ، بَيَّنَ أمْرَ المَبْدَأِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ وبَيَّنَ حالَ المَعادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ .