Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 10:1
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّالِثُ: قالَ الأكْثَرُونَ ﴿الحَكِيمِ﴾ بِمَعْنى الحاكِمِ، فَعِيلُ بِمَعْنى فاعِلٍ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٣] فالقُرْآنُ كالحاكِمِ في الِاعْتِقاداتِ لِتَمَيُّزِ حَقِّها عَنْ باطِلِها،
صفحة ٥
وفِي الأفْعالِ لِتَمَيُّزِ صَوابِها عَنْ خَطَئِها، وكالحاكِمِ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ في دَعْوى النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ المُعْجِزَةَ الكُبْرى لِرَسُولِنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَتْ إلّا القُرْآنَ. الرّابِعُ: أنَّ ﴿الحَكِيمِ﴾ بِمَعْنى المُحْكَمِ. والإحْكامُ مَعْناهُ المَنعُ مِنَ الفَسادِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ لا يَمْحُوهُ الماءُ ولا تَحْرِقُهُ النّارُ ولا تُغَيِّرُهُ الدُّهُورُ. أوِ المُرادُ مِنهُ بَراءَتُهُ عَنِ الكَذِبِ والتَّناقُضِ. الخامِسُ: قالَ الحَسَنُ: وصَفَ الكِتابَ بِالحَكِيمِ؛ لِأنَّهُ تَعالى حَكَمَ فِيهِ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ، وحَكَمَ فِيهِ بِالجَنَّةِ لِمَن أطاعَهُ وبِالنّارِ لِمَن عَصاهُ، فَعَلى هَذا ﴿الحَكِيمِ﴾ يَكُونُ مَعْناهُ المَحْكُومَ فِيهِ. السّادِسُ: أنَّ ﴿الحَكِيمِ﴾ في أصْلِ اللُّغَةِ: عِبارَةٌ عَنِ الَّذِي يَفْعَلُ الحِكْمَةَ والصَّوابَ، فَكانَ وصْفُ القُرْآنِ بِهِ مَجازًا، ووَجْهُ المَجازِ هو أنَّهُ يَدُلُّ عَلى الحِكْمَةِ والصَّوابِ، فَمِن حَيْثُ إنَّهُ يَدُلُّ عَلى هَذِهِ المَعانِي صارَ كَأنَّهُ هو الحَكِيمُ في نَفْسِهِ.