Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:128
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: يُرِيدُ أنَّهُ بَشَرٌ مُثُلُكم كَقَوْلِهِ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ (يُونُسَ: ٢) وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (فُصِّلَتْ: ٦) والمَقْصُودُ أنَّهُ لَوْ كانَ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ لَصَعُبَ الأمْرُ بِسَبَبِهِ عَلى النّاسِ، عَلى ما مَرَّ تَقْرِيرُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ.
والثّانِي: ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ مِنَ العَرَبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ في العَرَبِ قَبِيلَةٌ إلّا وقَدْ ولَدَتِ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِسَبَبِ الجَدّاتِ، مُضَرِها ورَبِيعِها ويَمانِيِّها، فالمُضَرِيُّونَ والرَّبِيعِيُّونَ هُمُ العَدْنانِيَّةُ، واليَمانِيُّونَ هُمُ القَحْطانِيَّةُ؛ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٦٤) والمَقْصُودُ مِنهُ تَرْغِيبُ العَرَبِ في نُصْرَتِهِ، والقِيامُ بِخِدْمَتِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: كُلُّ ما يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الدَّوْلَةِ والرِّفْعَةِ في الدُّنْيا فَهو سَبَبٌ لِعِزِّكم ولِفَخْرِكم؛ لِأنَّهُ مِنكم ومِن نَسَبِكم.
والثّالِثُ: ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ خِطابٌ لِأهْلِ الحَرَمِ، وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يُسَمُّونَ أهْلَ الحَرَمِ أهْلُ اللَّهِ وخاصَّتُهُ، وكانُوا يَخْدِمُونَهم ويَقُومُونَ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ لِلْعَرَبِ: كُنْتُمْ قَبْلَ مَقْدِمِهِ مُجِدِّينَ مُجْتَهِدِينَ في خِدْمَةِ أسْلافِهِ وآبائِهِ، فَلِمَ تَتَكاسَلُونَ في خِدْمَتِهِ مَعَ أنَّهُ لا نِسْبَةَ لَهُ في الشَّرَفِ والرِّفْعَةِ إلى أسْلافِهِ ؟