Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 9:128
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
عائِدٌ إلَيْكم. وأيْضًا فَإنَّهُ بِحالٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ ضَرَرُكم وتَعْظُمُ رَغْبَتُهُ في إيصالِ خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ إلَيْكم، فَهو كالطَّبِيبِ المُشْفِقِ والأبِ الرَّحِيمِ في حَقِّكم، والطَّبِيبُ المُشْفِقُ رُبَّما أقْدَمَ عَلى عِلاجاتٍ صَعْبَةٍ يَعْسُرُ تَحَمُّلُها، والأبُ الرَّحِيمُ رُبَّما أقْدَمَ عَلى تَأْدِيباتٍ شاقَّةٍ، إلّا أنَّهُ لَمّا عُرِفَ أنَّ الطَّبِيبَ حاذِقٌ، وأنَّ الأبَ مُشْفِقٌ، صارَتْ تِلْكَ المُعالَجاتُ المُؤْلِمَةُ مُتَحَمَّلَةً، وصارَتْ تِلْكَ التَّأْدِيباتُ جارِيَةً مَجْرى الإحْسانِ. فَكَذا هَهُنا لَمّا عَرَفْتُمْ أنَّهُ رَسُولُ حَقٍّ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فاقْبَلُوا مِنهُ هَذِهِ التَّكالِيفَ الشّاقَّةَ لِتَفُوزُوا بِكُلِّ خَيْرٍ، ثُمَّ قالَ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: فَإنْ لَمْ يَقْبَلُوها بَلْ أعْرَضُوا عَنْها وتَوَلَّوْا فاتْرُكْهم ولا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ وعَوِّلْ عَلى اللَّهِ وارْجِعْ في جَمِيعِ أُمُورِكَ إلى اللَّهِ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ وهَذِهِ الخاتِمَةُ لِهَذِهِ السُّورَةِ جاءَتْ في غايَةِ الحُسْنِ ونِهايَةِ الكَمالِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ الرَّسُولَ في هَذِهِ الآيَةِ بِخَمْسَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ: